هل عاد القتل على الهوية الجمعية إلى العراق والعود أسوأ؟

 

عادت حليمة لتمارس عادتها القديمة ولكن بوقاحة أكبر وجبروت أشد وأدهى حتى من الحكام الحاليين أنفسيهم. وعاد بعض أنصار الحكم ليتقاتلوا في ما بينهم وليقتلوا الناس أيضاً تحت واجهات شتى. وعاد مسلسل الموت إلى المربع الأول, إلى نقطة الصفر لتحصد أرواح المزيد من البشر بالعراق المستباح من قوى الإرهاب والفساد والطائفية المقيتة وأحزابها الدينية المحرمة دستورياً, إذ لا يجوز تأسيس أحزاب على أساس الدين أو المذهب لأن "الدين لله والوطن للجميع". عاد مسلسل القتل الجمعي والفردي إلى واجهة الأحداث اليومية تماماً أو حتى أشد مما كان عليه الوضع في أعوام 2006-2008 ليزيد من دم العراقيات والعراقيين المسفوح وليرفع من حالة الهلع والرعب في نفوس الشعب بسبب احتمال وصول القتلة إليهم وقتل المزيد من الناس غير الآمنين بمتفجرات وكواتم الصوت التي تستخدمها قوى الإرهاب والمليشيات الطائفية المسلحة التي هي الأخرى عادت إلى واجهة الأحداث بالعراق لتساهم في القتل والتدمير وتهجير الناس. انتهى العمل السياسي والحوار بين القوى السياسية وحلت محله لغة القوة والقتل اليومي. إنها من نِعم وأفضال الولايات المتحدة الأمريكية وإيران والسعودية وقطر وسوريا وحزب الله وغيرهم على أهل السواد. إنها الكارثة التي يزيدها شراً النهج الذي يمارسه رئيس الوزراء وتصريحاته التي لا تعبر إلا عن جهل مريع قاتل فـ "ويل لجاهل لا ينفتح على غيره" ليتعلم كيف يجب أن تعالج مشكلات العراق الراهنة بل يصر على سياسات طائفية قاتلة "تزيد في الطين بِلة"! والأدهى من ذلك التصريح الذي أدلت به يوم أمس الناطقة الرسمية باسم البيت الأبيض حيث عبَّرت عن اندهاشها وانزعاج البيت الأبيض من هذا العدد الهائل للقتلى العراقيين الذي بلغ في شهر واحد, في شهر تموز/يولو من هذا العام (2013) 1100 قتيل وثلاثة أضعاف هذا العدد من الجرحى والمعوقين على وفق أرقام الأمم المتحدة, وهو أقل من العدد الحقيقي بكثير، وكأن الجيش الجرار من موظفي وشرطة وجواسيس السفارة الأمريكية بالعراق لم يعرفوا بذلك ولم يسمعوا عنه ولم يبلّغوا الإدارة الأمريكية بذلك، وهم يعرفون تماماً بأنهم السبب وراء ما جرى ويجري اليوم بالبلاد, فهم الذين كرسوا نظام المحاصصة الطائفية في حكم البلاد بعد إزاحة الدكتاتور والطائفي صدام حسين، وهم الذين سمحوا للإرهابيين بغزو البلاد ليفرّغوا بلدانهم منهم ويدفعوا بهم إلى العراق. والأغرب والأدهى من كل ذلك أنها تقول بأن الإدارة الأمريكية تعمل على معالجة هذه المسألة لصالح الشعب العراقي, وهي ما تزال متمسكة ومعها إيران بـ "المنقذ الأعرج"، دون أن يبرز في الأفق شيئاً مما تتحدث عنه غير المزيد من الموت حتى باتت نواقيس الخطر تُقرع في المنطقة الخضراء ذاتها وكذلك في السفارة الأمريكية, فالخطر بات يدق أبوابهم. ولكن الأشد غرابة وعنجهية ما تحدث به الحاكم المستبد بأمره نوري المالكي في مأدبة إفطار رمضانية, أمام رجال الأمن ليذكرهم بمسؤوليتهم الأمنية وليقول لهم إنها مهمتهم ليهرب من مسؤولية كونه رئيسا للوزراء وقائداً عاماً للقوات المسلحة والمسؤول والمشرف على قيادة عمليات بغداد. ولكن هذا الحاكم نفسه الذي يتحدث عن الإرهاب ويدعو الشعب لمواجهته، يستهين في الوقت نفسه بالشهداء الذين يسقطون يومياً بأعداد كبيرة فيقول حتى لو كان الإرهابيون يطلقون أصواتاً هنا واصواتاً هناك ليشوشوا على الوضع, أي حتى لو كانت طقات هنا وطقات هناك, وكأن ما يحدث بالعراق مجرد طقات وليس موتاً بالجملة يمارسه القتلة في كل مكان من العراق بقسمه العربي المستباح من الإرهابيين ومن الطائفيين. هل تتذكرون كيف كان يعلن صدام حسين الانتصار تلو الانتصار، في وقت كانت الخسائر تلو الخسائر تلحق بالعراق وقواته العسكرية. هكذا هو ديدن كل المستبدين بالعراق خاصة وبالعالم عموماً. وكأنه يقول لن أخشاكم حتى لو قتلتم جميع من بالعراق فسأبقى الحاكم الأوحد على قبورهم! وكما كانت إذاعة بغداد مخصصة للقائد "الضرورة", فالعراقية أصبحت اليوم مخصصة للقائد "المغوار" القائد العام للقوات المسلحة نوري المالكي, ولمؤتمراته وتصريحاته الصحفية ومآدبه الرمضانية. وبدلاً من أن تطرح المعاناة اليومية التي يواجهها الشعب العراقي تقدم الفضائية العراقية التي تديرها شبكة الإعلام العراقية التي يترأسها المسلم "الديمقراطي" محمد عبد الجبار الشبوط, تعرض مسلسلاً تلفزيونياً من أسوأ ما أنتج من مسلسلات تلفزيونية عراقية حتى الآن من ناحيتي المضمون والإخراج الفني باسم "الحفيظ", الذي يسخر من طقوس وعادات وتقاليد أتباع الديانة المندائية ويعرضهم إلى المزيد من الويلات والآلام وكأن ما لحق بهم حتى الآن لم يكن كافياً، مما أثار استياء عاماً وغضباً عارماً لدى المندائيات والمندائيين في كل مكان وطالبوا بإيقافه ولم يحصل حتى الآن! ولكن المضمون والمستوى الفني الهابطين ينسجمان ويتناغمان مع طبيعة النظام الطائفي السائد ومع سياسة الفضائية العراقية التي عودتنا على أن تكون طائفية شكلاً ومضموناً. إنها المحنة التي تلاحق العراقيات والعراقيين بحكومات ليس هناك أسوأ منها. والحيرة التي تواجهنا هي إن أغلب القوى المعارضة التي تتنافس على الحكم لا تختلف في سلوكها الطائفي المدمر عن سلوك رئيس حزب الدعوة الإسلامية الذي أعلن عن "سنيته" في الموقف من "الأذان والصلاة والخلفاء الأربعة" على لسان مشعان الجبوري ليرضي بها واحداً من أسوأ الناس الذين أنجبهم العراق وليرضي بها أهل السنة وهم براء من الاثنين! العراق مبتلى بحكام سيئين ومعارضة في أغلبها لا تختلف عن الحكام الحاليين, فأين المخرج؟ هكذا تصورت مستقبل العراق في العام 1995 حين نشرت كتاباً بعنوان "ساعة الحقيقة: مستقبل العراق بين النظام والمعارضة", وحقاً تصورت هذه النتيجة البائسة لأن مؤتمر المعارضة في بيروت في العام 1991 قد وقع فريسة بين أنياب الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وإيران والسعودية حينذاك وما يزال الأمر كذلك حتى الآن. أما المعارضة النزيهة فقد عانت الأمرين منذ ذلك الحين حتى الآن. المخرج بيد الشعب ومن يعمل مع الشعب من القوى الوطنية والديمقراطية. والمخرج مرتبط بمدى قدرة الشعب على التحرك لتغيير الوضع الذي لم يعد ممكناً استمراره. التحرك الشعبي الأخير في محافظات البصرة والديوانية وبابل وكربلاء وبغداد هي المعول عليها والتي ستتصاعد تدريجاً, رغم ضعفها الحالي. لم يكن في مقدور الحاكم المستبد بأمره أن يتحمل مظاهرة لشبيبة تنادي: "محاصصة محاصصة .. دم الشعب ما أرخصه", أو "بغداد.. بغداد شامخة بينه" وهو الرد السليم على استهزاء الحاكم بأمره لما يجري بالعراق في لقائه مع رجال الأمن. أن الشبيبة العراقية قادرة على تحمل مسؤوليتها, قادرة على النهوض في مواجهة النظام الطائفي والمحاصصة الطائفية, قادرة على التصدي السلمي لنهج النظام وسياساته وقادرة على التغيير. إن الشبيبة العراقية قادرة على بناء حركة تمرد تعبئ حولها شبيبة العراق التي تعاني اليوم الأمرين. لقد وقعت قبل فترة قصيرة على بيان تأييد لحركة تمرد عراقية. حركة تمرد سلمية ترفض ما يجري اليوم بالعراق, حركة تمرد تضم الشباب من الإناث والذكور وتلتحم في كل أنحاء العراق لتزيح عن كاهل العراق هذا الغضب الجاثم على صدر العراقيات والعراقيين. إن على قوى الشعب الديمقراطية والخيرة أن تعلن عن تأييدها لحركة الشباب ولتساعدها في تنظيم شؤونها وتعبئة الشعب كله حولها وحول الأهداف النبيلة التي أعلنت عنها. وأردد مع الفقيد الشاعر كاظم السماوي حول القوميات المتآخية بالعراق: وإذا تشابكت الأكف فأي كف يقطعون وإذا تعانقت الشعوب فأي درب يسلكون.