شاحنات الموت.. وقامة عبود الغانم

 

حركة الدبابات..وضجيجها وهي تجوب الصحراء خارج اسوار المخيم..اربك الجميع ....سيارات الاستخبارات ورصاص الجنود السعوديون الذين يطلقون النار في كل اتجاه يجعل الخروج ليلا اشبه بالانتحار ...هكذا فاجأنا (كرم خادم الحرمين الشريفين ) حينما انهكنا المسير بحثا عن مساحة ما في هذه الصحراء الحقيره...مساحة خالية من الغدر والخديعة لايواء الاف العوائل التي اجبرها الموت على ترك العراق بعد الانتفاضه ... صراخ الاطفال ونشيج النساء يسمع بوضوح اثناء الليل في مخيم رفحاء الذي تكدس فيه عشرات الالاف من الثوار والنساء والصغار..والشيوخ ....لم يكن هذا المخيم سوى فخ استدرجونا اليه....... لينقذوا نظامهم الذي حرصوا على اطالة عمره بدمائنا..وكرامتنا ....فخاُ احسسنا باغلاله بعد ان اغلقوا بوابات المخيم باحكام .....وبعد ان خنقتنا الدبابات والجنود والاسلاك الشائكة .......والوجوه السوداء القاسية التي تلوح خلف الاسلحة... الطائرات السمتية التي تجوب سماء المخيم في النهار جعلتنا على يقين ان الامر اخطر مما توهمناه .......مالذي يجري بحق السماء .؟؟؟..هل نحن خطرون الى هذه الدرجة ؟؟؟؟..،.ماذنب الاطفال والنساء والشيوخ ؟؟؟ هكذا كنا نتسائل بيننا..... واحيانا مع الجنود خلف الاسلاك ...ولكنهم لايجيدون سوى السباب والشتائم ...بل ان ضابط الاستخبارات السعودي محمد عرابي وعريف الاستخبارات رائد الذي شعرنا بقسوته وغلظته فيما بعد !!! إبتكرا طريقة شيطانية لاهانتنا وكسر عزيمتنا كانوا يجلبون احد اللاجئين من المخيم يربطوه على عمود خارج الاسلاك الشائكة وينهالون عليه بالضرب بهراواتهم وعصيهم الكهربائيه!!! وهو يصرخ ونحن نتلوى معه...اتذكر ان احد الاطباء العراقيين الذين ربطوه خارج الاسلاك امام مخيم محافظة الديوانية ومخيم الضباط ....كان ضربة قاصمة لنا !!! لم يتمالك صوته امام تعذيبهم.... وقسوتهم..كان يصرخ......وكنا نصرخ معه....محمد رسول البستاني الفنان التشكيلي الذي يشاركني الخيمة انهار بين البكاء والصراخ ....كان جسد محمد يرتجف وهو يشاهد دكتور ......يتلوى من الالم تحت السياط والهراوات الايام في المخيم ثقيلة جدا والمشهد بدأ يخيفنا ويربكنا تماما.... لاندري ماذا نفعل؟؟؟ ....كنا في كماشة موجعه...... بين مطرقة مخابرات نظام صدام الذين اخترقوا المخيم بتواطئ سعودي فاضح..... وبين سندان الجيش السعودي المدجج بكراهية لم ندركها الا حينما لذنا في الخيام واستسلمنا لهم ....وهم يجوبون المخيم في الليل ليعتقلوا العشرات ويسلموهم الى المخابرات العراقية على الحدود التي لاتبعد عنا سوى بضع كيلومترات فقط.....كنا نكره الليل كثيرا !! فحينما يتعالى صراخ النساء ...ينتابنا شعورا بالعجز وقلة الحيلة ونحن بانتظار دورنا لنموت في الصحراء .....فقدنا القدرة على فعل اي شئ امام الدبابات والجنود والمخابرات في لحظة احسسنا ان العالم كله توطئ ضدنا ؟؟؟ اين شباب الانتفاضة ورجالاتها مالذي حدث ؟؟؟؟؟ اين الامم المتحده؟؟؟اين العالم ؟؟؟؟؟؟ لماذا تركونا وحدنا ؟؟؟؟؟؟آسئلة كانت تبدو كالألغاز امام من ينتظر اعدامه ...المعارضة العراقية الشريفة جدا!!!!! تجتمع في بيروت منتشية بالنصر؟؟؟؟كانوا يقتسمون الكعكة!!!...لاندري اي كعكة!!! ولكننا سمعنا بذلك فيما بعد!! كنّا حينها نقطّر اخوتنا واحدا واحدا.... في كل ليلة تاتي الشاحنات السعودية والجنود في مشهد مرعب تعودناه....... عجلات تمتلئ بالشباب والصراخ والدم وتختفي في صحرائهم المتواطئة!!! ويختفي معها كل شئ لتعود الصحراء من جديد الى هدوئها المريب..... تعودنا ان نستلقي على الفراش وفي جيوبنا تمر وقناني مياه وبعض الخبز ...بانتظار الشاحنات ...اكتشفنا ان في بعض حقائبنا التي جلبناها معنا من العراق قطع بيضاء اللون تحتوي على ماده لمنع الرطوبة ولكنها سامه (هكذا كتب عليها) !!!حملناها في جيوبنا ايضا !!!البعض فضل الانتحار وهو في طريق الموت الصحراوي ... لم نكن جبناء ابدا .ولكننا فقدنا القدرة على المبادرة..... حتى ان بعض عملاء مخابرات صدام بدأوا يتحركون علنا في المخيم بل ويسربون قائمة باسماء من سيسفر هذه الليلة...... لا اتذكر متى ولكني متاكد انه خرج بعد العاشر من محرم لان الكفن الذي ارتداه كان يحمل دماء التطبير !!!! ولانه كان يحمل بيده ايضا قامة (تلهث) .....خرج من بين الجموع وسط المخيم عصرا في وسط الشارع الوحيد في المخيم المكتظ بالناس التي بدأت تسرع قبل حلول الظلام لقضاء حوائجها ... عبود الغانم قصاب من مدينة المشخاب قرر ان يختار موته بنفسه وأن لا ينتظره في خيمته هذا المساء.......، انا عبود الغانم قررت الموت ..ومن يريد الموت يلتحق بي ...يا ابناء العراق ...يا ابناء الحسين .....يا ابناء محمد باقر الصدر ...يا من حاربتم صدام ...لن نموت في الخيام كالعبيد ... كان يدور في المخيم يلوح بقامته (التي تلهث) وصوته الجهوري الحاد...هذا فقط ما اتذكره لان الذي حدث بعدها يربك الذاكره !! طوفان من الشباب والقامات والسيوف والرصاص والصراخ .... تسونامي عراقي في الصحراء ؟؟؟؟؟؟ مجموعة اقتلعت حديد الخيام لتتصدى للجنود الذين يتأهبون لاقتحام المخيم واخرى توجهت الى بوابة المخيم لتسيطر عليها!!! حتى ان عريف الاستخبارات رائد الذي حاول الدخول الى المخيم بسيارته التي تثير الرعب !!! حالفه الحظ كثيرا لانه نجا من الموت تحت اقدام الثوار باعجوبة ..... ..مجموعه اخرى حفرت تحت الاسلاك الشائكة وعبرت في الظلام باتجاه مدينة رفحاء ....قاموا بالاتصال من خلال هاتف عمومي بمعظم الاذاعات العالمية...... نحن اللاجئون العراقيون في مخيم رفحاء .....نتعرض الى ابادة جماعية .هربنا من المخيم لنخبركم بذلك ... الدابابات السعودية تسحق الناس في شوارع المخيم .... كان الرصاص يرسم فوق رؤوسنا قبة من نار واذاعة مونتكارلوا ولندن تعلن خبر الاضطرابات في المخيم ...لم تسحقنا الدبابات بل حدث العكس..عراقيون عزّل الا من انسانيتنا ورفضنا للظلم صعدنا فوق الدبابات والدسائس وهزمناهم ......اي والله ..لاول مرة نسمع الجنود السعوديون يبكون .....كانوايصرخون مثلنا في الليل حينما تاتي الشاحنات شاحنات الموت الصحراوية ذاتها تعود من جديد ..تجوب طرقات بغداد ....نعرفها جيدا وندرك قسوتها عجلات الصحراء ذاتها فرقها الوحيد انها تقتلنا حيث تجدنا لايحملوننا بعيدا الى الصحراء كالسابق!!!! عملاء النظام والخونة ذاتهم من جديد ونحن صامتون بانتظار الحرق....والكعكة ذاتها تتفتت بنفس الايدي التي تقاسمتها في بيروت اين انت عبود الغانم ؟؟؟كم نحتاجك ونحتاج قامتك وكفن التطبير فاهلنا يحرقون ... عبود الغانم ليس سهلا ان نصمت ودخان الحرائق يزكم الضمائر. حاصرونا في بيوتنا ...انه الخيار المر ايها الناس فالكلام خيانه حينما لايقترن بالفعل... خيانة ان نعد الخسائر امام كل انفجار ونصرخ كالثكالى ...مع النادبين .......ولان الفعل هو الفيصل.... .ساصمت......وانتظر خروج عبود الغانم بقامته ...ساتوقف ان اربت على كتف يتيم ودماء ابيه مازالت لم تغسل بعد من الرصيف!!!!!! ساصمت ...حتى حينما ارى ابي وقد انحنى ظهره من كثرة الفواجع ......لن ابكي فالخيانة ..الخيانة ان اواسيه بالدموع........ ايها الناس لستم بحاجة الى محلل سياسي ..او منظّر سياسي او باحث سياسي...او مرتزق سياسي !!!!!!!!! انتم بحاجة الى ثوار صامتين يدفعون الشظايا عمن تبقى منكم انا عبود الغانم قررت الموت ..ومن يريد الموت ليلتحق بي ...يا ابناء العراق ...يا ابناء الحسين .....يا ابناء محمد باقر الصدر ...يا من حاربتم صدام ...لن نموت في الطرقات كالعبيد تذكروا هذا الصوت جيدا لان العراقيين فعلوها من قبل وسيفعلوها حتما نسيت ان اخبركم ان الذين تواطئوا على قتلنا في المخيم سحقناهم تحت اقدامنا كالحشرات.