تلبيس إبليس ودبلوماسية الكواليس

 

من الذكاء في العرف الدبلوماسي أن تضرب فتصيب عصفورين بحجر، واعتدنا في سياسة الدول الصناعية، لعب الكبار مع الصغار، فالسياسة في عرف الدول الكبرى تجارة وسمسرة وعمولات، والقرار سلعة يحتكر تقديمه لمن يبذل أكثر، والمعيار الربح والخسارة وليس القيم والمبادئ، هذا واقع ما يجري خلف الكواليس من تلبيس إبليس، حيث النظرية على خلاف التطبيق، وعودتنا التجارب مع الغرب والشرق أن نسمع ولا نرى، وخلف كل حق ظاهر، باطن باطل، وهو دأبهم في التعامل الماكر مع الأحداث والمستجدات على مدى عقود، تناوبت ما بين السياسة الناعمة التي أضحت معلما استراتيجيا في سياسات الرئيس الأميركي أوباما بعد الخشونة التي انتهجها سلفه جورج بوش.
أميركا لا تعنى بالديمقراطية كما تدعي إلا كواجهة إعلامية تخفي مراميها خلفها، ولا تسعى لتنمية الشعوب بل إلى فقرها وامتصاص دمائها، فالتهديد الحقيقي لمصالحها “التنمية”، والحروب وسيلتها لامتصاص أموال “التنمية”، فالحرب الاقتصادية لديها أمضى من الحروب العسكرية، وهي لا تخشى قوة الجيوش بقدر ما تخشى قوة الاقتصاد، السلاح سلاحها وتعرف ما له وما عليه، كيف تصنعه وكيف تدمره، وقيادات العساكر صناعة معاهدها ودوراتها، وتعرف طموحات أصدقائها وأعدائها وطبيعة تفكيرهم، وأساليب احتوائها بالترغيب والترهيب، واستدراجها لخدمة مصالحها وتحقيق مأربها عفوا وقصدا، فخوف أميركا لا يتأتى من قوة العرب العسكرية إنما من تنامي الشعور العربي الإسلامي المتطلع إلى الوحدة والتحرر من قيود وصايتها، ومن التجارب الديمقراطية الساعية لتنمية رأس المال المستخدم في التنمية، ولذلك تعمل على إعاقة أية دولة عربية لها طموحات حقيقية في التنمية بالحروب التي تثيرها في المنطقة العربية.
أميركا القطب الأكبر امتصت الأموال العربية بالحروب اكبر مصرف لهذه الأموال، وزرعت إسرائيل وسط العرب لتكون فزاعة لهم وحافزا لشراء السلاح بضاعتها المزجاة، وأي سلاح؟ السلاح المتقادم الذي لم تعد بحاجة إليه واستنفذت حاجته، فيعاد تشطيبه ويصدر إلينا بمبالغ خيالية وفوقها تقبيل الأيادي، حروب العرب مع إسرائيل في الأعوام 1948، 1956، 1967، 1973 خلصت أميركا وأوروبا وروسيا من أسلحتها القديمة الخردة واستنزفت أموال العرب وأبقتهم ضمن الدول المتخلفة، ثم تلتها الحرب العراقية الإيرانية عشر سنوات استنزفت أموال العراق ودول الخليج التي ساندته، وكان للأميركان يد في إطالة هذه الحرب تعمدا لبيع أسلحتها القديمة للطرفين، وأميركا مهدت لدخول العراق إلى الكويت وسعت لإخراجه بأموال العرب، وحين احتلت العراق لم تحتله بأموالها، فمنذ عشر سنوات يصدر النفط العراقي بإشرافها بلا عدادات لتحصل منه على ما تستطيع، ولن تركب المقاييس حتى تستوفي ما صرفته باحتلال العراق مضاعفا. ومع ذلك سلمته لإيران عمدا حتى تثير حفيظة العرب لتسليح أنفسهم أمام غزو فارسي جعلت منه فزاعة تستدر به أموالهم بشراء السلاح.
وقبل أن تقضي أميركا وأوروبا على القذافي دمرت السلاح الليبي وتعرف أن ليبيا ستستورد السلاح منها لتعويض ما دمر ولها قدرة للشراء، وأميركا تماطل في حل القضية السورية لذات الدواعي، والله وحده العالم كم سيكلف القتال العرب سلاحا ومساعدات، والعرب مضطرون وليسوا مخيرين أمام الغول الإيراني وزحفه نحوهم، أميركا تظهر طول نفس مع سلاح إيران النووي ليس حبا بالسلام وإنما تتاجر بمفاعل إيران النووي لتخويف العرب وابتزاز أموالهم بالسلاح، وهي ليست بعيدة عن خلط الأوراق في الكويت والبحرين وتوفير غطاء إعلامي وحراك للجماعات التي تتربص بالماء العكر، فهي تغازل الأطراف خبثا وحيلة وتلعب في كواليسها على حبال الدبلوماسية الثعلبية المشبوهة.
في مصر طمأنت أميركا الإخوان بعد ان وجدتهم قوة شعبية وليس من مصلحتها السباحة ضد التيار، ولما أيقنت أن معونات قطر بمفردها غير قادرة على إسعاف الاقتصاد المصري الذي بدأ ينهار بسرعة، والدول الخليجية النفطية غير مستعدة لتقديم معونات لمصر في ظل حكم الإخوان، سمحت للجيش بإزاحة الإخوان أو دفعته لإسقاطهم لتسارع الدول النفطية بضخ احتياطي أموالها لمصر، خمسة عشر مليار دولار في أقل من سنة وتملصت أميركا عن تقديم أي عون لمصر وأخلت مسؤوليتها، واستنزفت المال الخليجي ووفرت معونتها لنفسها، ولكي لا يقال تخلت عن الإخوان وخذلتهم كما خذلت صديقها الحميم مبارك، حجبت مساعداتها لتبرير موقفها من الانقلاب على رئيس منتخب ديمقراطيا، فرمت عدة عصافير بحجر، وفرت مساعداتها لنفسها وهي بحاجة إليها، وضمنت أمن إسرائيل ومصالحها بالتفاهم مع قادة العسكر، وأظهرت وليدها السيسي بطلا شعبيا يقاوم إرادة أميركا، وصيرته جديرا برئاسة مصر وأنه خليفة عبدالناصر الذي نكل بالإخوان وبنى السد العالي متحديا أميركا التي امتنعت عن تمويل المشروع، فزادت نصيبه الشعبي في الترشح لرئاسة مصر. هكذا اعتاد الغرب خاصة أميركا طبخ الأكلات المسمومة بدهاء، لتمتص الأموال العربية، وتبقينا ندور في حلقة التخلف المفرغة.