ديمقراطية إسلامية!

الأسبوع الماضي دخل حيّز التنفيذ في تركيا قانون جديد خاص بخدمة الإنترنت. وهو قانون لا نظير له في أي بلد ديمقراطي، وبخاصة الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي الذي تلحّ تركيا منذ عقود للانضمام إليه.
القانون يعكس النزعة الدكتاتورية الجامحة لدى رئيس الوزراء رجب طيب اردوغان وحزبه الإسلامي "العدالة والتنمية"، ويقدّم دليلاً آخر على انه ما من حزب إسلامي ديمقراطياً. كل الاحزاب الإسلامية التي ترفع شعارات الديمقراطية إنما تلعب اللعبة نفسها التي يؤديها اردوغان وحزبه.. لعبة الوصول الى السلطة بالوسائل الديمقراطية ثم التشبّث بالسلطة بكل وسيلة غير ديمقراطية، وهذا هو الجاري الآن في تركيا وعندنا هنا في العراق أيضاً.
حكومة اردوغان جاهدت لتشريع القانون الذي يمنح وزارة الاتصالات وهيئة الاتصالات عن بُعد سلطة إغلاق أي موقع انترنت من دون الحصول على تصريح قانوني مسبق من القضاء أو البرلمان. كما ينص القانون على الإذن للسلطات الحكومية بتسجيل مواقع البحث التي يرتادها مستخدمو الانترنت وحفظها لمدة سنتين. ويحدّ القانون من امكانية الوصول الى مواقع نشر افلام الفيديو على شبكة الانترنت.
وتطبيقا للقانون ستُنشئ الحكومة التركية برنامجاً جديداً ينبغي على كل مستخدمي الانترنت أن يشتركوا فيه ليتمكنوا من الوصول الى الشبكة الدولية. وسيتحكم هذا البرنامج بشكل مباشر في مصدر المعلومات التي يبحث عنها المستخدم.
منذ طرح فكرته، واجه القانون معارضة شعبية قوية عكستها وسائل الإعلام وعبّرت عنها مظاهرات في عدد من المدن التركية تعاملت معها قوات الأمن التركية بقسوة.
اردوغان وحكومته برّرا القانون بانهما لا يسعيان الى فرض الرقابة، وإنما الى منع الأوجه "غير الأخلاقية» للإنترنت" لحماية العائلات والأطفال والشباب من المعلومات التي تدفعهم لتناول المخدرات والانحرافات الجنسية والانتحار. لكن القانون قُدّم إلى البرلمان على خلفية الكشف عن فضيحة مدوية عن تورط شخصيات من الحزب الحاكم، بعضها مقرب من اردوغان، في قضايا فساد مالي وإداري وسياسي كبرى، وكان لوسائل الاعلام ولشبكة الانترنت دور كبير في عملية الكشف هذه. وكانت حكومة اردوغان قد فرضت، قبل تشريع القانون، حظراً على الوصول الى معلومات خاصة بالجيش وبالقومية الكردية والكثير من المواقع الأخرى. ومن المؤكد أن قائمة المحظورات ستطول منذ الآن.
لا يمكن التعويل على تبريرات الحكومة التركية، لأن الواقع يقول شيئاً آخر، هو ان اردوغان وحزبه يضيقان ذرعاً، اليوم بعد الآخر بحرية التعبير، وفي قلبها حرية الإعلام. وفي الأشهر الاخيرة تعرضت الصحف ووسائل الاعلام الاخرى الى مضايقات جمّة من الحكومة، ووصل الأمر الى حدّ ترحيل صحفيين أجانب عاملين في تركيا، وهو ما حصل أخيراً مع الصحافي الاذربيجاني ماهر زينالوف الذي يعمل لصحيفة "تودايز زمان" (زمان اليوم)، فقد جرى ترحيله على عجل.. والسبب انه انتقد اردوغان على حسابه في موقع التواصل الاجتماعي "تويتر"..
ديمقراطية إسلامية .. أليس كذلك؟