سفهاء العراق ورويبضاته

مَن هو السفيه؟ وهل يمكن أن يكون ممثلو الشعب في الحكومة سفهاء؟ وما العمل إذا كان من يمثل الشعب سفيها؟ أسئلة تطرح نفسها بقوة على كل مَن يرى ما يحل بالعراق من خراب متواصل، فيما يقف المعنيون بأمور الشعب العامة عاجزين مشلولين عن أن يقوموا بما يوقف الموت والانهيار برغم وجود كل وسائل الإصلاح وأولها الميزانية الهائلة التي يمتلكها العراقيون. 
جاء في تفسير قوله تعالى "ولا تؤتوا السفهاء أموالكم" أن السفيه من يتصرف بالمال بخلاف مقتضى العقل، وهو الجاهل، ضعيف الرأي رديء الفهم، لا يبالي بما كان ولا بما هو كائن ولا بما سيكون. ومن الغريب أن نجد الحديث النبوي الشريف هو الآخر يتنبأ بوصول السفهاء إلى سدة الحكم كشخصيات "عامة" (Public Figures) إذ جاء في الحديث: "ستأتي على الناس سنون خدّاعة، يُصدّق فيها الكاذب، ويُكذّب فيها الصادق، ويؤتمن فيها الخائن، ويُخَوَّن فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة. قيل وما الرويبضة؟ قال: السفيه يتكلم في أمر العامة". 
وهذا الحديث النبوي التنبؤي من الخطورة بمكان بحيث يتكلم بلغة العصر، ولاسيما اصطلاح أمر العامة، وهو ما يقابله في لغة الديمقراطية المعاصرة اصطلاح الشؤون العامة (Public Affairs) بحيث أن السفيه في هذا الحديث لم يعد ذلك الإنسان البسيط الذي لا يمثل سوى نفسه، بل بات يمثل الشعب (العامة) ويتعاطى الحديث في الشأن العام، حتى كأن الحديث الشريف يمهد تمهيدا عميقا يصب في علم الاجتماع السياسي، إذ يربط مقدمات وصول الرويبضة إلى موقع الشخصية العامة بوجود مجتمع (بيئة) انقلبت فيه المقاييس وانهارت عنده القيم الأخلاقية حتى باتوا يصدّقون الكاذب، ويكذّبون الصادق، ويأتمنون الخائن، ويخوّنون الأمين. 
لا شك في أن التاريخ ـ لو أنصفنا التاريخ ـ سيذكر بأسى أن العراقيين بعد سقوط الديكتاتورية تعاملوا بسفه مع أموالهم، بحيث حل بهم وبوطنهم الخراب والقتل والدمار رغم امتلاكهم لميزانية بلغت في عام واحد 170,000,000,000 (مائة وسبعين مليار دولار أميركي) يمكن بها بناء بيت كل سنة بكلفة تقارب 30 ألف دولار لكل العوائل العراقية باعتبار أن معدل أفراد العائلة العراقية خمسة أشخاص (أب وأم وثلاثة أطفال). 
حين لا يعرف ممثلو الشعب العراقي توظيف مائة وسبعين مليار دولار كل عام في صياغة قوانين وضوابط ترفع من مستوى الشعب في كل أموره فهم سفهاء، وحين يعجز الوزراء عن تشغيل ميزانية قدرها مائة وسبعين مليار دولار في بسط الأمن والارتقاء بالتعليم وتطوير الخدمات الصحية وتطوير العمل البلدي ورفع المستوى الفني والثقافي فإنهم سفهاء، وحين يفشل القضاء العراقي في خفض نسبة الجريمة والحد من الفساد ووقف القتل العشوائي وفي تلقين المجرمين درساً في العدالة فإنه قضاء سفيه، وحين ينتصر الإعلام الإرهابي والطائفي مع وجود قنوات عراقية تتنعم بمخصصات مليونية فإنها قنوات سفيهة. إلا أن الطامة الكبرى تكمن في أن يعيد الناخب العراقي انتخاب السفهاء مرة بعد مرة ويؤتيهم ليس ماله وثرواته وحسب، بل يسلمهم كل مقدراته، وهذا ما يجعله ناخباً سفيهاً. 
إننا بلا شك في عصر السفهاء، عصر يحتم على كل عراقي واع مخلص في داخل العراق وخارجه أن يعمل كل ما بوسعه ولو كلفه ذلك حياته من أجل رفع مستوى الوعي الشعبي وإمداد النضال لرفع كابوس السفاهة عن صدر العراق الحبيب وتحريره من عصابة الجهل اللاإنسانية وتوفير حكومة رشيدة تقوم على أساس الديمقراطية والكفاءة والمهنية.