قناة التغيير ومنهجية توظيف الأضداد

لا يختلف اثنان على أن الإعلام المؤدلج يتحرك بناء على مسارات بوصلة أهدافه المنشودة.فالمحتوى السياسي لرؤيته ينحل إلى مجموعة فعاليات ونشاطات ومواقف تعيد تكرار التوجه نفسه بصيغ مختلفة مؤكدة على الشرعية تارة وعلى الضرورة تارة أخرى.
قناة التغيير مؤسسة إعلامية تعكس رؤية سياسية يمكن إيجازها بعبارة مركزة :"هدم العملية السياسية القائمة وتمكين قوى وجهات تعيد خليط من بقايا الدكتاتورية الغابرة مع متطلبات أجندة محلية وعربية ودولية تتقاطع مع العراق الجديد".
التغيير هذا اللفظ البراق الذي أستخدمه الكثير من السياسيين والأحزاب والجهات السياسية والفكرية والاجتماعية وحتى الاقتصادية ، لا يتضمن في محتواه بالضرورة التوجه نحو الحالة الإيجابية (مع افتراض ذلك في الذهنية العامة) ،بل هو نحو من الانتقال من حالة إلى أخرى ،ولكنه في كل الأحوال ينبغي أن يرسم مسارات ثابتة يتحرك فيها (من) إلى (حيث) وإلا صار الأمر دوران حول الذات أو حركة اهتزازية تستهدف التغيير عن الذات المستقرة ثم تجديد التغيير إلى جهة جديدة حتى وإن كانت نفس الجهة السابقة التي تحرك منها التغيير في المرة الأولى.
وضع أسم "التغيير" نائب رئيس الجمهورية الهارب والمطلوب بأحكام متعددة على أثر شراكته بعمليات إرهابية عنوانا للجهة السياسية التي تزعمها ،وبناء على الخطاب العام لتلك الجهة كان الهدف منها إحداث تغيير إيجابي (بحسبهم) على العملية السياسية ،والذي يفضي بالضرورة إلى عراق قوي موحد وعملية سياسية أكثر استقرارا وحياة مرفهة للعراقيين تصان فيها الكرامة ويسودها العدل.
تعبيرا لتلك الحركة المفترضة انطلقت قناة التغيير في محتوى إعلامي يثير الاستغراب والدهشة ،فالقناة بدأت بتمجيد العمليات الإرهابية التي كانت تستهدف أرواح العراقيين مدنيين وعسكريين واسمة تلك الأعمال بالمقاومة الشريفة ،وليت شعري لا أدري أين الشرف يكمن في قتل العزل والأبرياء أو السعي لتهديم كل ما يتم إنجازه من مشاريع تعيد العراق المحطم والمهدم بفعل الطواغيت والغزاة.
في الفصل الثاني من مسيرة "قناة التغيير" كان الدفاع عن الهاشمي وجرائمه ومحاولة إظهاره بصورة البطل القومي الذي تحول القوى الداخلية دون تحقيق مشروعه، وفي هذا الإطار حرقت التغيير كل المراكب من أجل الهاشمي ومن يدور في فلكه.
أما الفصل الحالي من نشاط التغيير فيتمثل في "خلطة غريبة" تجمع فيها (داعش والبعثيين وما تسميه ثوار العشائر و الفصائل الإرهابية الأخرى وقوى إقليمية ودولية وانتهازيين من الداخل ) في صورة تريد أن تجعلهم خندق التغيير وحملة لوائه ،ولا أدري هذه "الخلطة العجيبة" تريد التغيير من "أين؟" وإلى "أين؟".
ربما من يرصد بعناية لمسار هذا المحتوى غير المتجانس يعرف أن مسار التغيير المنشود من قبل هذه الخلطة العجيبة يتحرك من "عملية سياسية قائمة على دستور منتخب ترافقه مجموعة مشكلات قابلة للمعالجة والتدارك" إلى "فوضى عارمة" يحلم هؤلاء بأن عقود من الزمن الظلامي يمكن أن يعود في ظلها أو على الأقل يبقى العراق يدور في فلك الضعف والتحلل خدمة لكل المتربصين به شرا.
ربما يقول معترض إن هذه الأفكار هي نحو من "الدفاع عن " وبالتالي يثير حنق الاختلاف مثل هذه الأفكار ،ومع جوابي بأني حانق على "التغيير" لكن ليس من باب "الدفاع عن" بل من باب اليقين بدورها التخريبي للعراق ،ولهذا أتحدى كل الذين يدافعون عن التغيير أو يسمعون لصوتها أن يتلمسوا بوضوح مسار التغيير الذي تدافع عنه وما هو مبتدأه وما هو منتهاه ؟ وما هي الخطوط الزرقاء والحمراء في هذه المسيرة الخطرة؟
ختاما لا بد أن يعرف الجميع أن الكلمة الحاقدة أسوء من الرصاصة وعلى القائل والسامع والمروج والمدافع تحمل مسؤوليتهم أمام الله والوطن والتاريخ.