العباقرة.. الأنانية تبسيطاً والفخر موضوعاً وهؤلاء شهوداً ٢
ميخائيل نعيمة ، كعب بن زهير  ،الكميت  ، البحتري ، إيليا أبو ماضي  ، حافظ الشيرازي ، برناردشو ،  موتزارت  

التعقيب على ما فات من (الأنانية) : 
تعقيباً على الحلقة السابقة ، وأنانية عباقرة الشعر والفن، نلخص بتبسيط أنّهم أنانيون في عدم مبالاتهم بالآخرين - كأفراد - ، وإيثاريون نبلاء في تفانيهم على درب الإبداع الإنساني ، والحق أن العقاد والمازني والدكتور زكي مبارك  ومدرستهم نفوا الشاعرية عن شوقي تماماً حتى وفاته  ، لأنه غيري في شعره ، وعندهم - وأنا معهم ، ومن هنا فضلت الجواهري عليه كثيراً - أقول وعندهم الإنسان لا يستطيع مهما كانت عبقريته أن يعكس آلام الآخرين كما هي  ، وما يدور في وجدانهم ، هذا محال ، إلا تصنعاً وتكلفاً  ( النار ما تاذي إلا رجل واطيها ) ، والشاعر الذي يعكس همومه وخوالجه النفسية الذاتية ومعاناته يكون أصدق تعبيراً ، وأكثر جرأةً  من الغيري الموضوعي ، وهكذا فرض المتنبي العظيم  نفسه ، وذاع صيته ، وشغل الناس وملأ الدنيا ( يا أعدل الناس إلا في معاملتي ...، أيّ عظيم أتقي... وما الدهر إلا من رواة قصائدي .... عيدٌ بأيّة حالٍ عدت يا عيدُ) ، وأبو فراس و ( أراك عصي الدمع شيمتك الصبرٌ ) و (أقول وقد ناحت بقربي حمامةٌ..)... ، والجواهري في دجلة خيره وأخيه جعفر و أزح عن صدرك الزبدا ... ،  وذكرنا في الحلقة السابقة  ما ذهب إليه  الناقد الأنكليزي (ريتشاردز)  " إن الجودة في الآثار الأدبية ليس لها إلا قياس واحد هو القياس النفسي " ولكن أيضاً نكرر قول  دافيد ديتشر : إنّ " التعبير عن الذات في الفن لا قيمة له إلا إذا أضاء الفنان في التعبير عن نفسه بعض التجارب الإنسانية، أي يجسد تجربة ما مرتبطة بالتجربة العامة للناس وبالتالي ذات قيمه موضوعية " ، ويستطيع الشاعر العبقري شعورياً ولا شعورياً أن يوازن تماماً بين الحقائق الخارجية  والوجدان وهذا مما يطلق عليه بالمعادل الموضوعي .  ويرى إليوت يجب أن يذوب الذاتي بالموضوعي تماماً من حيث تجاربه وأحاسيسه وما يدور في خلجات نفسه ووجدانه هو ، لا انعكاساً لتجارب غيره ، يقول :"إن تقدم الفنان ما هو إلا دأ به على التضحية الذاتية أي دأبه على محو شخصيته"
الفخر وما أدراك ما الفخر ...!:
المهم الآن هذا هو الفخر أمامك ، وما الفخر إلاّ أحد مظاهر ( الأنانية) ، يظهر عند  بعض عامة الناس كعقدة النقص ، وإن الشعور بالنقص ، لا يتحول إلى عقدة ما لم يضف الإنسان إلى ( أناه)  إضافات زائفة ، فالأنا المضخمة تسعى إلى المفاهيم المتجمعة كالكبرياء والجاه والثروة ...إلخ لتقارن ذاتها بكلّ (أنا) أخرى وتكون مثلها ، الأمر الذي يشعرها بنقصها ( عقدة النقص) التي أشار إليها أدلر ، وعقدة العظمة التعويضية تضيف للفردية (وهي الأنا) إضافات كاذبة لكي تغطي الشعور بالنقص ، الأمر الذي يجعل الشعور بالنقص يتضخم ، وإن عقدة النقص  وعقدة العظمة أمراض نفسية ، أما الشخصية وهي متوازنة بشعورها ولا شعورها ، فأنها تضيف إلى ذاتها إضافات صحيحة ، وغير مجتمعة ، وغير زائفة ، ، وقوامها الوعي ، ، ومن هنا نرى العباقرة والشعراء والفنانين يفخرون بأعمالهم ، ويزهون بأنفسهم ، وبسطاء في سلوكهم ، ومتواضعين في حياتهم ، وينتبهون   لنبوغهم واتقاد ذهنهم إلى الخيط الرفيع بين الذل والتواضع ، وبدافع غريزي غير مصطنع.
وإذا كانت " النفوس مولعة بحب الثناء ، والناس متطلعون إلى الدنيا وأسبابها من جاه وثروة ، وليسوا في الأكثر براغبين في الفضائل ، ولا متنافسين في أهلها " ، كما يقول ابن خلدون في مقدمته ،  (33) ففخر العباقرة أو بالأحرى غرور الفنانين والشعراء صفة ملازمة لأغلبهم ،وهي انبثاق طبيعي لدى كلّ فنان مطبوع ، وقال شاعر الأمان غوته بإسلوبه اللاذع الساخر في إحدى رسائله " الإنسان أزهى الحيوانات كافة ، والشاعر أزهى بني الإنسان ."، وهذا ميشال أنجلو يزهو بفخر أمام تمثال موسى ، ويصرخ فيه : " تكلم أيها المخلوق"، وقد يفضي الفخر بالشاعر إلى اعتبار نفسه  نبياً، وما ينطق به مقدساً ، ، وإن كان قلّما يعني شيئاً بالنسبة للسامعين ، وهو الرأي الذي يتفق مع النظرة التي تعتبر الشاعر غير مسؤول نحو المجتمع على الإطلاق ، وإن واجبه الوحيد هو أن يسكب نتاج وحيه ، إن هذا الافتقار إلى المسؤولية نحو الجمهور إنما هو أحد أخطر نتائج الحركة الرومانسية ، وليس من السهل أن نكتشف إلى أي حدّ كانت نظرية ( الفن للفن) التي شاعت في نهاية القرن التاسع عشر وليدة عجز الفنان عن بلوغ المطلوب ، كما يقول دافيد ديتشر في ( الأدب والمجتمع) .(34)
فهذه  الهوة بين الشاعر والشاعر المطبوع يجب أن تردم بقوة العقل وحدوده ، فالفخر الأناني شذوذ لا يجري بين الناس جميعهم ، ولو هنالك بعض مريديه ، ولكن لا يسلم صاحبه من التشنيع ، ويفتح الأبواب للحقد والكراهية ، وإن كان من الصادقين المصدقين !!.
ميخائيل نعيمة:
تعالوا معي لنقرأ ماذا كتب جورج  كعدي عن ميخائيل نعيمة : " ميخائيل نعيمة نسيب لح لنا ، ولكنه أناني إلى آخر حدود الأنانية ، يعتقد أنه الكاتب الوحيد على هذه الأرض ، وأن على الناس أن يحملوا المباخر والمجامر تمجيداً له ، وتعظيماً لمقامه ، وهو لا يقرّ لأحد بالألمعية ، فطه حسين عنده كاتب سطحي ، وشوقي شاعر من حقّه أن تصفعه." (35) . صدق جورج كعدي بوصفه لميخائيل نعيمة كلّ الصدق ، ولكن اعترف جورج بنفسه على أنه يجهل نفسية الفنان المطبوع ، والشاعر الموهوب ، فالكلمة تصب في مصلحة ميخائيل لا ضده ، وإذا وقع نظر باحث في علم النفس ، وعارف بنفسية الشعراء الملهمين لعضّ على شفتيه ، وهزّ رأسه مبتسماً، وقال يا سبحان الله : وأليس هذا من طبع الشعراء ....!!
كعب بن زهير والكميت :
تعالوا معي هذه المرّة لنحتكم للتاريخ الأدبي،فهذا الأبشيهي يذكرفي( مستطرفه وفن مستظرفه)   : " كان كعب بن زهيرإذا أنشد شعراً ، قال لنفسه : أحسنت وجاوزت والله الإحسان ، فيُقال له : أتحلف على شعرك ؟!  فيقول نعم لأني أبصر به منكم .
وكان الكميت إذا قال قصيدة ، صنع له خطبة في الثناء عليها ، ويقول عند إنشادها أيّ علم بين
 جنبي ، وأيّلسان بين فكيّ ." (36)
    رجاء تأمل ملياً في قول كعب : " نعم لأني أبصر به منكم." وما نقلناه في الحلقة السابقة عن إليوت " ان نقد الكاتب لإنتاجه الخاص أعظم إنتاج في النقد" !!
البحتري :
ويذكر الأصفهاني  صاحب (الأغاني) : "  عن أبن جعفر جحظة ، قال حدثني أبو العنبس الصيمري ، كنت عند المتوكل وينشده :
عن أي ثغر تبتسم ***وبأي طرفٍ تحتكم ؟
قال وكان البحتري من أبغض الناس إنشاداً ، يتشادق ويتزاور في مشيه مرّة جانباً ، ومرّة القهقرى ، ويهزّ رأسه مرّة ، ومنكبيه أخرى ، ويشير بكمه ، ويقف عند كلّ بيت ، ويقول : أحسنت والله ، ما لا يحسن أحد أن يقول مثله متباهياً بشعره مفتخراً بنفسه" (37) ، ولا نريد تكملة الرواية على ما فيها من ظرافة مليحة ، ونكتة بديعة ، لأنها ليست من موضوعنا ، ولكن نكمل فخر البحتري  بقوله :
نطقتُ فاقحمتُ الأعادي ، ولم يكن *** ليقحمني جمهورهم حين أنطقُ
بكلّ معلاّة القــــــوافي كـــــأنها **** إذا أنشدتْ  في فيلق القوم يفلقُ
إيليا أبو ماضي :
سنرجع للعصر الحديث ، وعباقرة الشعر والفنون لا يقلل من سماتهم الموهوبة زمان أو مكان ،  فكما تكلمنا عن ميخائيل نعيمة سنجد الفخر نفسه عند إيليا أبي ماضي ، إنّ الباحث الأردني روكس بن زائد العزيزي قد خرج على الملأ عام 1954 م بقصة يقول فيها : إنّه أكتشف أن قصيدة الطين مسروقة المعاني سطا بها إيليا على قصيدة لشاعر بدوي مغمور يدعى علي  الرميثي - روينا القصة في حلقات السرقات الأدبية - ، فدافع إيليا عن قصيدته بعد أن هاجم العزيزي بألفاظ عنيفة قائلاً : "ينبغي لضفة الأردن الشرقية أن يخلقها الله غير بادية ، وفي غير مكانها حتى يصير من الممكن أن تخرج منها قصيدة خالدة على الدهر مثل قصيدة الطين التي ليس أخت ولا ضرّة في الشعر العربي كلّه قديمه وحديثه " .(38)
أمثلة مَنْ فخرَ مِن غير العرب موجزاً :
 حافظ الشيرازي   :    
  الدكتور عبد الله الخالدي في كتابه عن (حافظ الشيرازي ) الشاعر الفارسي الشهير يقول :  كان حافظ الشيرازي  كثير الاعتداد بشاعريته على طريقة المتنبي ، فيقول عن نفسه بشعره مفتخراً:
" نديديم خوشز أز شعر تو حافظ 
بقرآني كه أندر سينه داري "
أي أنني لم أجد من شعرك يا حافظ  ، وأقسم على ذلك بالقرآن الذي في صدرك ، ويعقب الدكتور عبد الله الخالدي بقوله : أشهد أن يمينه بات لا حنث فيها . ( 39)
  برناردشو :
 يذكر العقاد في كتابه عن برناردشو  ، قال له أحد محدثيه : إنني ليدهشني أن تبيح لنفسك تنقيح شكسبير ، وأنت لا تبيح لمخرج أفلامك أن يبدل ىكلمة واحدة من كلماتك ، فأجاب ( شو) ، : " هات لي امرءاً أعظم من (شو) ، وأنا أبيح له أن يبدل كلامي حتى لا أميزه إذا قرأته ..." (40)
  :موتزارت 
وإذا أختلفت وجهة الفن ، وعبقرية الفنان من الشعر والأدب إلى الموسيقى مثلاً ، فهذا ( موتزارت ) ( 1756 سالزبورغ - 1791 فينا) ، إذ لم يصدق أسقف مدينة سالزبورغ ما سمعه عن عبقريته حتى اختبره ، وإنّ السيمفونياترقم  38 ، 40 ، 42 ألفها بين حزيران وآب 1788، وحققت له قمة المجد ، وتفوق بها على جميع معاصريه بمن فيهم هايدن ، وعندما اجتمع مع هايدن في جلسة مع بعض الأصدقاءحين ساقهم التكلم عن البيانو ، فقال موتزارت : " إني أراهن أستاذي هايدن على أن أكتب لحناً يعجز عن عزفه طوال أيام حياته حتى بعد التمرين !! "
وعجز هايدن على كسب الرهان بعد أن كتب له موتزارت بعض النوتة الموسيقية ، علماً بأن هايدن كان من أكبر عباقرة العالم في فن الموسيقى . (41) 
وأخيراً ظاهرة الفخر الحقيقية  بالذات - وليست كعقدة نقص تضخيمية - تجدها تتجلى بوضوح لدى الشعراء والفنانين ، وفي الأدب العربي باب كامل للفخر منذ العصر الجاهلي حتى عصرنا الحديث ، وهذه قبسات مختصرة ، وأكتفينا بالإيجاز عن الإطالة والإطناب ، أما العلماء الذين اكتسبوا العلم عن طريق الدأب والدراسة المتواصلة غير مجبولين بالموهبة الفنية ، والإلهام الشعري ، يمتازون بالتواضع طبعاً أو تطبعاً ، ولكم مني التحيات الطيبات ، والختام سلام  !