كارثة ضياع المخطوطة

قلّة نادرة من يعرفون ألم ضياع المخطوطة، وهم، غالباً، من ضحايا هذا الفقد، أو من نخبة الوعي الثقافي الإنساني الموازي لكل ألم، والباقي رغم كل الكوارث، فالحديث عن إحراق وضياع 1200 مخطوطة نادرة كانت موجودة في كنائس الموصل، سيعتبره البعض حديثا بطراً، أمام مشاهد الدم والترويع والسبي، وسيمر في الأخبار مروراً عابراً كمرور خبر تدمير ثاني أكبر متحف في العراق كانت مدينة الموصل تحفل فيه بكنوز ضاعت بعد أن تحولت أروقة ذلك المكان البهي إلى مقرّ تتخذه عصابات تنظيم (داعش) الإرهابي، لسجن وتعذيب (السبايا)، وشتان بين ما منحنا إياه التاريخ من نوادر وتحف، وبين ما يرتكبه المعتدون من جريمة.
كارثة تلف وضياع هذا العدد الهائل من المخطوطات النادرة التي تعود إلى تواريخ ضاربة بالقدم، وتسجل لسلسلة إنجازات ثقافية مهمة ليس لهذه المدينة فحسب، بل لكل الإرث الإنساني، تستدعي مسؤولية وطنية وإنسانية عالمية، فلوائح المواثيق الدولية تحمل قوانين واتفاقات بضرورة الحفاظ على إي أرث حضاري، وفق مدد زمنية للقدم يعتبر بموجبها أي أثر تاريخي ضمن المسؤولية والرعاية الدولية المشتركة، لذا يجب أن يصار سريعاً إلى تحميل الجهات الدولية جزءاً من مسؤولية حماية ومتابعة تلك الآثار والنوادر التاريخية.
بالتأكيد إن الشكوى في المحافل الدولية، تشترط -إدارياً- وضع قوائم وصور ونسخ إلكترونية لجميع المفقودات، وهنا ستكون المسؤولية موصولة بالتقصير الكبير من الجهات المحلية المعنية، وبالأخص دائرة المخطوطات لو تبين لاحقاً أنها لم تحتفظ بأرشيف نسخ مصور لما فقد، وكل الظن إنها لا تحتفظ بذلك!، فقبل سنة تقريبا تابعت وكتبت في قضية تخص دائرة المخطوطات العراقية، بعد أن نشرت تلك المؤسسة الحكومية الملحقة بوزارة السياحة والآثار تقريراً يؤكد وجود أكثر من 45 ألف مخطوطة نادرة مهددة بالتلف بسبب سوء تخزينها، إذ تخزن الدائرة هذه المخطوطات في أماكن غير مناسبة، وتمت استعارة إحدى قاعات المتحف العراقي لخزن البعض منها.. خزنها وليس عرضها كما هو متعارف عليه، لأن تلك الوثائق غير مهيأة للعرض وفق الشروط الضامنة لسلامتها، والمتعلقة بأدق التفاصيل مثل معدلات درجة الحرارة والضوء، كما في المتاحف العالمية، وتلك الشروط توفرها مختبرات خاصة تمرّ فيها تلك المخطوطات لمعالجتها وجعلها مهيأة للعرض، ولا أظن أن مثل هذه الوسائل الحديثة متوفرة لدينا.
إن من واجب دائرة المخطوطات العراقية، تصوير جميع ما لديها من وثائق وإرث معرفي وكتابي ومدونات مهمة، لغايتين أساسيتين؛ التسجيل والتوثيق، وغاية نشر تلك الوثائق عبر صفحات الشبكة العالمية (الإنترنت)، تسهيلاً لمهمة كل باحث ومهتم يسعى للمعلومة، وسعياً للانفتاح على أوسع أبواب التواصل المعرفي الحديث، ومن أجل ملاحقة ومتابعة ما يمكن أن يفقد من مخطوطات كما حصل في مدينة الموصل.
على الحكومة مهمة التمكين المادي فثمن الضياع أشدّ وأبهظ.