المالكي ولحظة ظهور عبد الملك السعدي

مفتاح الخروج من الأزمة  التي تعيشها البلاد  بيد رئيس الوزراء وحده ، لأنه ببساطة هو الذي وضع  الجميع في هذا المأزق، حين أصر على عدم الإنصات للأصوات المعتدلة  سواء في الأنبار أو الموصل  أو صلاح الدين، فهذا العناد هو الذي فتح الباب أمام المتطرفين لكي يصبحوا جزءاً من المشهد الذي يتصدر الفضائيات الآن. 

أعلم ويعلم كثيرون غيري أن أسباباً وجيهة دفعت  الناس في الأنبار والموصل كما في ميسان أو بغداد  للجوء الى حق التظاهر السلمي، والذي كفله الدستور الذي يتغنى به المالكي هذه الأيام .. إلا أن موقف الحكومة من هذه الاحتجاجات في لحظاتها الأولى جاء ركيكاً  وفاقداً للحد الأدنى من اللياقة السياسية  .

وقد كانت أمام المالكي فرصة كبيرة لكي  يبعد الأصوات المتطرفة من المشهد ، لو أنه انتهز لحظة ظهور الشيخ عبد الملك السعدي في المشهد، وما مثلته هذه اللحظة في وجدان معظم العراقيين الذين  استمعوا إلى خطاب ينضح  وطنية وتسامحاً لرجل يحذّر المتظاهرين من أن الاحتراب الطائفي سيمزق وحدة الوطن ويكون العراق الخاسر الوحيد فيه داعياً إلى تجنب الطائفية والإساءة إلى أي مذهب، قائلا في كلمات ما عجز عن قوله معظم ساستنا "لا نريد أن نسمع في الأنبار هتافات تؤذي الآخرين ولا تخدم البلد و تذكروا الإمام جعفر الصادق كان معلماً للإمام أبي حنيفة النعمان".

هكذا وفي كلمات بسيطة وعميقة صارح السعدي المتظاهرين بما يحاك ضدّهم من دعاة التطرف ، الذين يريدون اليوم ان يتسلقوا على معاناة الناس والآمهم.

وبداية هناك حقيقة دامغة أكدتها الوقائع القديمة والجديدة على الأرض، أولها أننا نعيش في ظل ساسة ومسؤولين شعارهم الدائم " الوضع تحت السيطرة " وحين تتأزم الأمور نراهم يتشنجون ويضربون كفاً بكفٍ ويستعينون بالخارج والداخل من أجل الخروج من النفق الذي وضعوا أنفسهم فيه .. وثانية الحقائق أن مما يؤخذ على المالكي  أنه غير مبال للآخرين ، وأن فرصا عديدة جاءت إليه طائعة مهيأة لكي يقفز بقطار الأزمة الى سكة السلامة،  لكنه لم يفعل.. وقد قيل ذلك في بدء الاعتصامات  حين طالبت المرجعية الدينية في النجف ومعها قيادات من التحالف الوطني من رئيس الوزراء سرعة الاستجابة  الى  المطالب  المشروعة للمعتصمين، غير أن المالكي وبلحظة عناد ترافقه في كل أزمة  رفض بشكل قاطع منطق الاستجابة، مشددا فى مناسبات عدة على أن ما يجري مجرد فقاعة ستزول مع الايام .. طبعا أنا لا استطيع أن أنكر أن في الجانب الثاني هناك جهات تنشط لقطع الطريق أمام أية فرصة لحل الازمة .. لانها تؤمن بان الحرائق تعود عليها بكثير من المنافع والمغانم .

تعلمنا دروس التاريخ ان الأمم  تزدهر بقادة يصرون على إشاعة روح التسامح والأمل والعدالة الاجتماعية وبسط سلطة القانون، بينما نغرق نحن مع ساسة لا يتوقفون لحظة واحدة عن بث الخوف والفزع في نفوس الناس،‎ في عراق اليوم يصر المالكي ومعه مقربوه على المضي قدماً في إعادة إنتاج نظام دكتاتوري جديد، إنها نفس الرحلة التي قطعها قادة الجمهوريات العربية الحديثة، حين أصبح كل واحد منهم يعتقد نفسه لسان الشعب وحال الشعب والحاصل على تفويض الشعب، لتكون النتيجة في النهاية أنهم يلغون الشعب بأكمله. هكذا تسير الأمور عندنا على هوى المسؤولين وليس على قواعد بناء دولة حديثة لا تتغير مع اتجاهات حكامها، ولا تتلون بلون الغالبية المؤقتة، نعرف جميعنا  بأن  مروجي الطائفية من كلا الطرفين  يحاولون أن يتخذوا من مطالب الناس بالأمان  والعدالة الاجتماعية جسرا يتسلقون فوقه لمزيد من المكاسب والامتيازات.

الناس التي انتظرت من السادة السياسيين بعد نجاحهم في الانتخابات أن يفعلوا شيئا في سبيل بناء دولة حديثة فوجئت بان الساسة الأفاضل لم يفعلوا شيئا وأنهم متفقون جميعا على شيء واحد فقط هو تحويل العراق إلى دويلات صغيرة ينشرون فيها ثقافة الاستبداد والتخلف، واسأل السيد المالكي، لماذا لم يخرج ببيان واضح يحدد أسباب الأزمة السياسية؟ لماذا لا يكاشف الناس بحقيقة الأمور التي تقول إن الجميع ليس لديهم مشروع جدي لإدارة البلاد.. لا كوادر سياسية وإنما مجرد هياكل بشرية تملأ الفراغ، وتشغل الناس بمعارك جانبية.. ، وأن  خطبهم ومناكفاتهم  دائماً ما تنعكس على الناس بمفخخات وكواتم صوت وتهجير.

والآن أعود للسؤال المهم : لماذا لم يستغل المالكي لحظة ظهور الشيخ عبد الملك السعدي ، ربما سيقول بعضهم أن مزاج رئيس الوزراء  غير مهيأ  بعد للتعامل مع شخصيات  باستقامة ووطنية  الشيخ السعدي ، بعد أن اعتاد هذا المزاج طويلا  على أنواع من  السياسيين المزيفين  الذين يريدون أن يوهموا الناس بأنهم  أكثر حباً للوطن وخوفاً عليه.