الديمقراطية وسياسة التهميش والاقصاء في العراق

 

من قرر تطبيق الديمقراطية في العراق قد كان مدركاً أنها مشروع فاشل لإدارة شؤون الدولة العراقية الفتية بعد سقوط النظام الديكتاتوري، ولكنه مع ذلك قد مضى قدماً في تطبيق بنودها وتوفير كافة مستلزماتها التشريعية والتنفيذية وتهيئة كوادرها ليكونوا حماتها وقادتها الحصريين. لقد اثبتت التجارب منذ 12 عاماً على الغزو الامريكي للعراق أن النظام الديمقراطي لا يمكن أبداً أن يكون ناجحاً في العراق، مالم يجري عليه العراقيون أنفسهم التعديلات التي تناسب تنوعهم الإثني وتعددهم الدوغمائي وتوزيعهم الطبوغرافي، ولا ادري هل سيبقى للديمقراطية بعد هذه التغييرات المفترضة من مضمون واقعي أم ستتحول إلى نظرية جديدة في السياسة وإدارة الدولة... مهما يكن من أمر فإن المصير إلى هذه التعديلات أو التغييرات قد اصبح فرض عين (بعد تراكم فشل هذا المشروع) إذا ما أرادنا للعراق أن ينهض من كبوته ومحنته... 
لئن كانت الديمقراطية بالمفهوم الامريكي صالحة لحكم شعوب ذات حضارة واحدة (الحضارة الغربية) أو منتمية إلى منطومة مشتركة من القيم، فإنها قطعاً ليست صالحة لحكم شعب فسيفسائي القيم ومتنوع الانتماءات الحضارية... ربما يعترض البعض بأن المشكلة لا تكمن في التنوع والتعدد، والدليل أن دول اوربا رغم تنوعها الواضح وتباينها الشاسع في الأعراف والإمكانات وسائر المرتكزات التراثية والإثنية علاوة على الفروقات في الموارد الطبيعية والبنى الاقتصادية... قد تمكنت من إقامة اتحاد سياسي واقتصادي متين ومزدهر بفعل ارساء وتطبيق النظام الديمقراطي الذي خرج منتصراً من صراعه الأيديولوجي مع النظام الاشتراكي بعد الحرب الباردة، وأثمر في نهاية المطاف أن تغلبت دول الاتحاد الاوربي الحالي على الحدود الجيوبوليتيكة والاختلافات الثقافية والاجتماعية التي كانت سائدة فيما بينها... كيف يمكن أن نبرر النجاح هناك والفشل هاهنا بالرغم من أن وضع العراق من ناحية التعدد والتنوع أهون بكثير من اوضاع الدول الاوربية، إذ العراق دولة واحدة وتمثله في الامم المتحدة راية فاردة، وقد كان شعبه حتى عهد قريب متجانساً في لحمتة الاجتماعية مع غض النظر عن تنوع أصوله واعراقه وقومياته ومعتقداته... فما هي العوامل التي أدت إذن إلى فشل الديمقراطية في العراق مع كونه بالمقارنة مع اوربا أقل اختلافاً وتنوعاً على كافة المستويات المذكورة؟ إن هذا السؤال بصياغته المشار إليها يمكن أن يقض مضجع أكفأ المحللين الستراتيجين وعلماء نفس الاجتماع والانثربولوجيا. ولكن هل فعلاً أن الديمقراطية كمشروع سياسي وثقافي تمّ النظر إليه على أنه مشروع واحد أم بضميمة مشاريع اخرى أريد لها أن تنفّذ في نفس الوقت وبذات الإرادة والقوة؟ إن تلك المشاريع التي قد تم تمريرها من تحت عباءة الديمقراطية كانت تؤسس لأهداف غير معلنة ونوايا مبطنة لواضعي المشروع الديمقراطي (العراقي- الأمريكي)، فالسؤال المطروح يمكن اختزاله وإماطة اللثام عن إعضاله وإشكالة من خلال عزو ذلك الفشل أسباب أخرى غير مطروحة إعلامياً وغير مفكّر فيها شعبياً، تلك المشاريع المصاحبة للديمقراطية قد تعمدوا اخفائها تجنباً لاستثارة حفيظة الشعب العراقي. 
إن الديمقراطية في العراق لم تطبق إلا في ظل مشاريع باراغماتية غايتها الانقضاض على الثروات الهائلة التي أنعم الله بها على هذا البلد، وقد ابرمت لهذا الغرض اتفاقيات ومعاهدات سرية قبل الغزو وبعده مع العراقيين المجنسين امريكيا ونظرائهم في الدول الأوربية الرائدة (من المهيئين لإدارة الدولة العراقية المستقبلية)، وعلى ضوء تلك الاتفاقيات والمعاهدات تم توزيع الحصص ورسم الاهداف وتمرير القوانين. وقد أتى كل ذلك على حساب حقوق الشعب العراقي المغيّبة أصلاً، والتي تم الإمعان في تغييبها بعد الغزو، فيما سمح المتصدون للحكم في العراق (من باب البحث عن ذرائع الوجود والثبات في السلطة) بممارسة سياسة مشابهة لسياسة التمييز بحسب الولاء التي كان يمارسها النظام البائد، فظهرت في العراق مؤسسات عديدة لرعاية حقوق جماعات وأقليات معينة على حساب الغالبية العظمى من الشعب، فمثلما كان صدام يحابي شريحة البعثيين ويقدم لهم الاموال والهدايا في المناسبات والاعياد وغيرها، تكرر المشهد ذاته في عراق ما بعد صدام، وقد أدى هذا التمييز في الحقوق إلى إثراء تلك الجماعات على حساب الأكثرية الساحقة، وتقلصت الطبقة الوسطى من الشعب لصالح طبقة المميزين بالحقوق (طبقة النبلاء الجدد)، فيما توسعت طبقة الاكثرية المهمشة والكادحة. لقد أصبح الشعب العراقي منضوياً وخاضعاً لبرنامج غير نزيه في التمييز أو في الاقصاء والتهميش تسهر على تنفيذه بكل إصرار اطراف داخلية وخارجية ويدار بكل تفانٍ ومثابرة من قبل مبرجي السياسة الدولية وفي أروقة ودهاليز الدوائر الاستخباراتية العالمية...