الفيدرالية.. مؤامرة أم حل؟

على خلفية الأحداث الدامية التي تعصف بالمشرق العربي، بات من الضروري إعادة الاعتبار إلى الفيدرالية.

سواء في العراق أو في سوريا أو حتى في لبنان.. لم تنتج أنظمة الحكم المركزي غير دول فاشلة يحول دون انهيارها بالكامل دفع الأمر الواقع، إقليميا ودوليا. والسؤال الذي يطرح نفسه على هذا الصعيد هو: ألا تكفي تجارب العقود الستة المنصرمة لأن تعد مؤشرا كافيا على فشل أنظمة الحكم المركزي في دول المشرق العربي؟

قد تعود علة بقاء الأنظمة المركزية في المشرق العربي - رغم واقعها المحبط - إلى نفور الذهنية السياسية العربية من تقبل البديل العملي لها، أي النظام الفيدرالي.

غريب أن الفيدرالية لا تزال، في المخيلة التاريخية العربية، كلمة ممجوجة، ساقطة من كل مفردات الخطاب الوطني. إن ذُكرت فلا تُذكر إلا مقرونة بتهمة «المؤامرة الخارجية» التي تستهدف تفتيت أمة العرب والقضاء على «وحدة الأرض والشعب» في دولها. وفي هذا السياق لا تزال السابقة الطاغية على الفكر السياسي المشرقي محاولة كل من بريطانيا وفرنسا، إبان انتدابهما على العراق وسوريا ولبنان، عقب الحرب العالمية الأولى، منح عدد من الأقليات مناطق تتمتع بشكل من أشكال الإدارة الذاتية.

منذ عشرينات القرن الماضي والفيدرالية مدموغة في المشرق العربي بوصمة سياسة «فرق تسد» الاستعمارية، وما زالت تنوء بحمل هذه الوصمة، رغم أن «إنجازات» الأنظمة المركزية وحدها باتت كافية لتبرئتها من جور التاريخ.

ولكن، هل يجوز استمرار تغاضي الذهنية السياسية العربية عن جدوى النظام الفيدرالي وديمقراطيته في وقت أصبحت فيه أنجح دول العالم في القرن الحادي والعشرين دولا فيدرالية، مثل الولايات المتحدة وكندا وروسيا وألمانيا وسويسرا والبرازيل؟!

لو أن كيانات سايكس - بيكو الجغرافية لم تفشل في المحافظة على «وحدة الشعب والأرض» في ظل أنظمتها المركزية، لكان التشهير بالفيدرالية مبررا، وربما مطلوبا.

ولكن بعد أن تحول العراق وسوريا إلى جبهتي حرب أهلية مذهبية دامية (ولبنان إلى ساحة حرب مذهبية باردة)، أصبح تغاضي الأنظمة المركزية عن تعددية مجتمعاتها وتجاهلها لوضع أقلياتها مشكلة المشرق العربي الأولى. وبالتالي، لم تعد عقدة كيانات سايكس - بيكو المركزية المحافظة على «وحدة الأرض والشعب» بقدر ما هي المحافظة على «وحدة الأرض» عبر استيعاب تعددية شعوبها، في إطار أنظمة فيدرالية تؤمن الجمع بين الهدفين، وإن كان بأوهى الأواصر السياسية المتاحة لها.

الدعوة إلى إقامة أنظمة فيدرالية في دول المشرق العربي لم تعد مبررة فحسب، بل مطلب وطني من الأفضل تحقيقه عبر حوار وطني شامل قبل أن تفرضه خطوط جبهات القتال و«هوياتها» المذهبية والعرقية، كواقع جغرافي جديد في المنطقة، في وقت لم تعد فيه ملامح «دويلات» الأمر الواقع في سوريا والعراق خافية على أحد.

ميزة الأنظمة الفيدرالية أنها تمثل، في نهاية المطاف، الحصيلة السياسية لمسيرة التطور التاريخي لمجتمعات دولها. وإذا كان لبنان يبدو، في هذا السياق، الدولة المشرقية الأبعد تقبلا للفيدرالية بحكم صغر مساحته وتداخل مناطق عيش طوائفه الدينية بعضها ببعض، فقد كان الدولة السباقة، من حيث المبدأ، إلى اعتماد الحل الفيدرالي لنظامه السياسي المتعثر. فالمشترع العربي، باقتراحه، بموجب دستور الطائف، تأسيس مجلس شيوخ يتساوى فيه، عدديا، التمثيل الطائفي للبنانيين، يكون قد دعا، عمليا، إلى إقامة نظام فيدرالي على مقاس لبنان وظروفه الداخلية. وقد يكون تقاعس لبنان عن تطبيق هذا البعد الفيدرالي في دستور الطائف واحدا من الأسباب الرئيسية لفشل مؤسسة الدولة.

أما حاليا، فقد يكون أفضل مثال على تأثير أحداث المشرق العربي على التوجه الفيدرالي في المنطقة، صفقة تقاسم عائدات النفط بين بغداد وإقليم كردستان، وإلى حد ما، سعي رئيس الحكومة العراقية، حيدر العبادي، لإشراك عشائر الأنبار السنية في القتال ضد «داعش».

في خضم التحولات التاريخية التي تدفع نحو «الفدرلة»، تبقى سوريا عقدة المرحلة إلى أن يتضح لها، ولطهران طبعا، أن تشبث النظام بالمركزية السياسية المفرطة لن يعيد السلم الأهلي إلى مجتمعها التعددي، ولا الاستقرار الظاهري إليها.