عراق بلا أطفال

أن تَحصد السيارات المفخخة أرواح العراقيين، فهذا عمل جبان فرضته طبيعة الصراعات المحلية والعربية والدولية التي تدور على أرض العراق، وأن تُنهب ثروات العراق لصالح فئة صغيرة على حساب شعب بأكمله، فهذا فعل ظالم تمّ نتيجة جشع السياسيين الذين وجدوا في العراق فرصتهم للثراء الفاحش ضاربين الوطن وأهله عرض الحائط، وأن تُسحق كرامة العراقيين تحت عجلات الفساد الإداري، وتصادر حقوقهم كمواطنين، فهذا يدخل من باب المحاصصة السيئة، وهيمنة القوي على الضعيف في بلد أصبحت شريعة الغاب هي المتحكمة في مفاصل حياته، والمسيّرة لكل حركاته، وكلما تتسع دائرة الصبر على تجاوز المحنة لدى الشعب، تزداد مساحة اللعبة ويكثر عدد اللاعبين، حتى وصلت إلى أطفال العراق الذين أُزهقت أرواحهم بفعل موجات البرد، والغذاء الفاسد، ووقوعهم في شرك الإهمال والتشرد، ومع استمرار هذه الحالة المخزية، ازداد رحيل الأطفال إلى ربهم الأعلى، واشتدت التصريحات البهلوانية من قبل شيوخ السياسة، وفرسان الإرشاد والموعظة الحسنة، بالشجب والتنديد، فرئيس البرلمان السابق يصرّح، والحالي يجري مباحثات، والمستقبلي يدعو في خطابه، واتحاد القوى يهدد بالانسحاب، واتحاد الضعفاء والمساكين يبتهل إلى الله، والوزير العتيد يعلن عن أسفه، والنائبة المحروسة بسور سليمان قررت، والتيار الفلاني يبحث، ورئيس الوقف السني يحاول، ونظيره الشيعي يؤكد، والحكومة رعاها الله تحذر، واللجنة المسؤولة عن شؤون الأطفال تلتقي، ومع كل هذه الجعجعات التي لا تغني ولا تسمن، والأطفال يرحلون عن الدنيا دون أن يعرفوا الأديان، ولا المذاهب، ولا الطوائف، ولكنهم يدركون بفطرتهم أنّ سرقة عملاقة واحدة من السرقات الكبرى، وما أكثرها في بلد العدل والإنصاف، كفيلة بإبعاد شبح الموت عنهم.
على زجاج السيارة التي تحمل جثة طفل اختطف البرد روحه في بلد النفط والدفء والثراء، نقرأ: (كلكم من آدم وآدم من تراب) ولم نفهم معنى التراب، ففي هذا البلد هناك تراب أطفال الأغنياء والفقهاء والسياسيين والبرلمانيين الذين ينعمون بالفرو الناعم، والبطانيات المستوردة خصيصاً لهم، ويسكنون في القصور الفخمة المزروعة في كل العواصم الراقية، وهناك تراب الفقراء الذين لا تستر أجسادهم سوى الأسمال البالية، ويسكنون الخيام الممزقة، ويتناولون الطعام الفاسد، ويتلقون سهام الموت في هذا الشتاء القاتل، وما بين رحلة الشتاء والصيف، سيكون أطفال الفقراء في خبر كان، وأولاد الأغنياء في طريقهم إلى أوطانهم الأصلية، وسنكون قد حققنا أجمل أحلامنا، وقفزنا على كل الأزمات التي تواجهنا، وسبقنا العالم إلى صياغة عراق جديد متحضر مزدهر، ولكنه عراق بلا أطفال.
هلهلي يا تسواهن..
إلى اللقاء