روسيا .... بين عهدين ....(2-2)


لا أحد يتحدث في أيامنا هذه ايجابيا عن الحالة الاقتصادية والاجتماعية التي كانت عليها دول الاشتراكية السابقة ، بل ان الكثير من الناس راح يعيد تكرار المعلومات المشوهة التي تنشرها وسائل الاعلام الغربية الموالية للراسمالية بأن " الاشتراكية قد فشلت " وان " الزمن قد تجاوز مرحلة الثورات الاشتراكية " وان " العصر قد استقر لصالح الرأسمالية واقتصاد السوق". لكن لا بأس من ذكر بعض الارقام والحقائق للمقارنة بين روسيا الرأسمالية اليوم التي تحدثنا عنها في الجزء الأول من هذا المقال وروسيا الأخرى في العهد الاشتراكي السابق فقط لتبيان حجم الجريمة التي ارتكبت بحق الاشتراكية عام 1989 .

لقد كان معدل نمو الناتج القومي في الدول الاشتراكية السابقة أسرع من نمو الناتج القومي في الدول الرأسمالية. فلو افترضنا ان الناتج القومي في الاتحاد السوفييتي في عام 1950 كان 100% فالانتاج القومي قد ارتفع في الاتحاد السوفييتي عام 1972 الى 580% بينما زاد في الولايات المتحدة 214% وفي بريطانيا 169% وفي فرنسا 309% وفي ألمانيا 352%. وقد بلغ معدل النمو الاقتصادي السنوي في الاتحاد السوفييتي خلال الفترة 1950 – 1972 8,3% بينما بلغ في أمريكا 3,5% وفي ألمانيا 5,9% وفي بريطانيا 2,4 % وفي فرنسا 5,23%. أما متوسط معدل نمو الدخل القومي في الدول الرأسمالية في الفترة 1951 – 1973 فكان 4،6% بينما بلغ في دول مجلس التعاضد الاقتصادي COMICON 7،9 % ( المنظمة الموازية للاتحاد الأوربي ). أما معدل نصيب الفرد من الدخل القومي في بلدان مجلس التعاضد الاقتصادي فكان أعلى من العديد من البلدان الرأسمالية الأوربية ، لكنه كان أقل من مستوى متوسط الدخل القومي في الدول الرأسمالية الأكثر تقدما.

تنفيذ الخطة الاقتصادية الثامنة للاتحاد السوفييتي 1971 – 1975حقق تغييرا مهما لتحسين المستوى المعيشي للجماهير وهو جزء من الاهداف المهمة للاشتراكية وتعظيم قدرات الدولة الاقتصادية بنفس الوقت. وقد جرى تغيير العلاقة المأخوذ بها حينها بين الجزء المخصص للاستهلاك القومي والجزء المخصص للتراكم القومي حيث كانت 73% الزيادة في الدخل القومي تذهب لصالح الاستهلاك ، بينما تذهب 27% منها للتراكم ( الأدخار) فاصبحت نسبة الاستهلاك القومي80% و 20% لصالح التراكم. وبناء على ذلك تم زيادة الدخل الفردي للمواطنين السوفييت ( العمال وموظفي المكاتب وأعضاء التعاونيات الزراعية ( الكولخوزات ) ، وتم ايضا تخفيض نسب الضرائب بصورة تدريجية والغائها عن الكثير من المنافع الاجتماعية للسكان.
حصة الاستهلاك العام من موارد الدخل القومي تتضمن الانفاق على السلع والخدمات التي تقوم الدولة بها عبر وظائفها الكثيرة في مجالات الصحة والتعليم بجميع مراحله وكذلك كافة المنافع الاجتماعية الأخرى صعبة الحصر وهي حرة للجميع 100%. ويدخل ضمن بند الاستهلاك العام خدمات الأمن الداخلي والدفاع عن الوطن ضد العدوان الخارجي بكل ما يتطلبه من تقدم تكنولوجي وتخطيط للمستقبل ، وتكمن هنا الخطورة التي يخشاها المخططون والساسة في الدولة الاشتراكية. فنفقات الدفاع هي أهم ركن في بند الاستهلاك العام ، فأي تقييم غير سليم للمخاطر الخارجية يكلف المجتمع الاشتراكي بلايين الدولارات ، ففي حالة المبالغة في تقدير قوة ومخاطر الطرف المعادي فان ذلك سيدفع الى زيادة ميزانية التسلح. وفي ظل محدودية الموارد في الأمد القصير فان زيادة حصة التسلح من تلك الموارد سيكون على حساب بنود اخرى التي من بينها الموارد المخصصة لدخول المواطنين للفترة القادمة. وقد يتطلب الأمر مزيدا من الأموال قد تضطر السلطة السياسية خفض ذلك الجزء من موارد الميزانية المخصص للاستثمارات في التنمية الاقتصادية وتحويله لصالح ميزانية التسلح. ولهذا السبب يمكن فهم الأهمية الاستثنائية التي أولتها السلطة الاشتراكية منذ قيامها عام 1917لقضية السلام العالمي والعمل على تحسين العلاقات بين الشرق والغرب على المدى الطويل. 

ويمكن ايضا فهم لماذا تضغط الدول الرأسمالية لتطوير نظمها التسليحية أو الايحاء بزيادة نفقاتها التسليحية لايهام الدول الاشتراكية بخطر قائم حتى تنفق المزيد على التسلح. ويمكن بناء على هذا الاجابة على التساؤل لماذا تناقصت السلع الاستهلاكية في البلدان الاشتراكية في بعض السنوات أكثر من سنوات أخرى. وقد تمكنت الاستخبارات السوفييتية من الحصول على معلومات عن نية الولايات المتحدة بشن هجومين مباغتين على الاتحاد السوفييتي في تاريخين خلال الفترة 1950 – 1965وسواء صحت تلك الأنباء أو افتعلت فان أخذها بالاعتبار لابد ان يؤخذ مأخذ الجد. وما تلا ذلك من استعدادات غير عادية دفع ثمنها الشعب دون أي مردود ايجابي ، وليس بدون مغزى وصف ماركس لنفقات التسلح بانها " أموالا ضائعة في البحر". 

انقلاب عام 1989قد أصاب بالعمى شطرا واسعا من الشيوعيين والماركسيين ولم يعودوا قادرين على الدفاع عن الفكر والاقتصاد الاشتراكي. وذهب البعض منهم أبعد من ذلك بحيث تحولوا الى مبشرين بدور الولايات المتحدة كمصدرة للديمقراطية ومناصرة لحق الشعوب في الحرية والتحرر وبأن نظام اقتصاد السوق قادر على تجاوز الأزمات الاقتصادية والخروج منها أكثر قوة ودينامية. ويعزز أصحاب هذا الرأي حجتهم بقدرة نظام اقتصاد السوق على تخفيف معاناة العاطلين عن العمل أثناء الازمات عبر نظام المنافع الاجتماعية ( اقتصاد الرفاه ) الذي تأخذ به الدول الرأسمالية المتقدمة حاليا. وهذا صحيح تماما ، لكن هذه مكاسب لم يتكرم بها النظام الراسمالي على عمال بلادهم ، بل انتزعها العمال بالقوة وبالكفاح العنيد والطويل وبتضحيات فقد آلاف العمال حياتهم من أجلها قبل ان تصبح نظاما تحترمه السلطة الرأسمالية وأرباب العمل. ولا ينبغي أن ينسى هؤلاء ان نظام اقتصاد الرفاه أخذ شكله الحالي ببعض البلدان الرأسمالية في أربعينيات وخمسينيات وحتى في ستينيات القرن الماضي بعد دراسة نظام المنافع الاجتماعية السوفييتي الذي شرع في السنوات الأولى من عمر الاشتراكية في عهد قائد دولة روسيا الاشتراكية فلاديمير لينين قبل وفاته عام 1924 والذي حمل توقيعه واقترن باسمه. وللعلم فان الكثير من البلدان الرأسمالية تأخذ بنظام ملزم للتأمين ضد البطالة والتقاعد والرعاية الصحية والحوادث يعتمد على مدفوعات شهرية تستقطع من دخل العامل خلال فترة حياته العملية وكلما كانت فترة حياته التي قضاها في العمل أقصر كلما كان مبلغ استحقاقه من مساعدة التقاعد أقل . كما أن عمر التقاعد في الدول الرأسمالية قد زيد مع مرور الزمن ليبلغ في الكثير منها 67 عاما وفي ايرلندا 70 عاما بينما يقل في الدول الاشتراكية بمقدار 5 الى عشر سنوات ، ويقل بـ 15 سنة للعمال الذين اعتبر عملهم صعبا أو خطرا مثل عمال المناجم وصهر الحديد وما شابههم. وبينما يقل مبلغ التقاعد في الدول الرأسمالية بنسبة 25% عن مبلغ آخر راتب أو أجر قبل تقاعده بلغ في الاشتراكية 100% آخر راتب أو أجر. وتمتع كافة السكان العاملين والمتقاعدين باجازة مدفوعة الراتب ليقضيها في دور النقاهة والمصحات الحرة من أي تكاليف ( ويشمل ايضا الطلبة والشباب) ، وبأخذ كل ذلك بالاعتبار يمكن ادراك الفارق بين الرأسمالية والاشتراكية عند مقارنة الدخل الاسمي والحقيقي للمواطن في النظامين ، فالراتب النقدي ضعف أو أكثر في الرأسمالية عنه في الاشتراكية ، لكن عند المقارنة بالمردود الحقيقي لدخل المواطن في الاشتراكية فان راتب الأخير هو الأعلى.

في الولايات المتحدة يعود أول تشريع لنظام المنافع الاجتماعية الى عهد الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفيلت حيث وقع في 14-8- 1935 قراره بهذا الخصوص ولم يجري تنفيذه الا بعد تشريع نظام للضرائب عام 1937، وبعده في كانون الثاني -يناير عام 1940 بوشر بتنفيذ نظام المنافع الاجتماعية في صورته الأولية. اما نظام الرعاية الصحية فلم يبدأ في امريكا قبل صدور قانون خاص به في 30-7-1965. ولم يأخذ نظام المنافع الاجتماعية الأمريكي صيغته النهائية الا بعد دراسة مستفيضة لنظام المنافع الاجتماعية السوفييتي جرت بعد زيارة وفد أمريكي متخصص لهذا الغرض سافر الى الاتحاد السوفييتي عام 1956 ومكث هناك فترة للاطلاع على النظام . فنظام المنافع الاجتماعية شكل جزء عضويا من النظام الاشتراكي منذ السنوات الأولى لثورة اوكتوبر فهو ليس اجراءات قابلة للالغاء والتهميش أوالابتزاز كما هو الحال في الدول الرأسمالية. 

الانقلاب على الاشتراكية عام 1989قد عزز من تعنت وغرور الرأسماليين تجاه مطالب الطبقة العاملة في البلدان الرأسمالية ولم يعودوا يخشون الاضرابات العمالية الواسعة وتمكنوا أن يضغطوا على سلطات البلاد التشريعية والتنفيذية لاصدار نظما تقيد الحركة العمالية وتحرمها من حقوق اكتسبتها خلال نضالها الطويل ضد أرباب العمل. ومثل هذه الاجراءات تشكل جزء من سياسات الاحزاب السياسية البرجوازية التي تتنافس في ما بينها على الوتيرة التي يتخذه هجومها على نظم المنافع الاجتماعية الثروة الوحيدة التي تمتلكها الطبقة العاملة في الرأسمالية والتي تتآكل مع مرور الزمن. 

لا أحد يستطيع الجزم بأن الحالة الراهنة للرأسمالية في هذا البلد الرأسمالي أو ذاك محصنة ضد الثورات الاشتراكية أو ضد أي تغيير جذري في السياسات الاقتصادية الحالية فرياح الثورة لا تعلن عن نفسها. فزيادة عدد ناخبي الأحزاب اليسارية في الانتخابات التي جرت يوم الأحد 25 يناير الحالي في اليونان ليست إلا واحدة من الاشارات الايجابية عن تغيير ميزان القوى الطبقية لصالح اليسار في اليونان. ومن المحتمل ان يحذو اليسار في اسبانيا والبرتغال وايطاليا وربما ايرلندا حذو اليسار اليوناني في مواجهة اليمين المهيمن على الاتحاد الأوربي بقيادة ألمانيا. وتتزايد الضغوط على أحزاب العمال في الدول الأوربية للعودة للسياسات الاقتصادية والاجتماعية ذات المضامين الاشتراكية التي اتسمت بها سياساتها بعد الحرب العالمية الثانية متأثرة بالنظام الاشتراكي السوفييتي. 

ولاينبغي أن ننسى ان المجتمعات الاشتراكية السابقة بما فيها المجتمع الروسي ليست غائبة الوعي أو يائسة من التغيير الحقيقي ، بل هي على وعي تام بما يجري حولها من سرقة لمكاسبها وحقوقها وتزييف لارادتها. وتزداد من يوم الى يوم جماهيرية الحزب الشيوعي الروسي في حين يتسع التذمر من السياسات التي تحابي رجال المال وأرباب العمل رغم اجراءات زيادة الأجور والرواتب. فالاشادة بالسياسات الاقتصادية والاجتماعية ابان الاشتراكية وعدالة توزيع الدخل ووضع الخدمات والمنافع الاجتماعية والتقييم الايجابي لقادة البلاد السابقين يتزايد. فمحاولات تزييف التاريخ الاشتراكي تفقد بريقها وتتكشف حقيقتها ، فقد أظهراستطلاع للرأي نشرته قناة روسيا الاخباريةrt أجري في روسيا بين 19- 22 ديسمبر-كانون أول الماضي ان 52% من الذين استطلعت أراءهم يقيمون جوزيف ستالين ايجابيا مقارنة بـ 51% في نفس الفترة من عام 2010 و42% عام 2006 بينما انخفض معارضوه من 37% عام 2006 الى 30% عام 2014. ولا ننسى ما لحق بهذا الرجل من تشويه متعمد داخل وخارج روسيا خرج عن المعقول وكان واضحا التعتيم على دوره المهم والبطولي في انقاذ بلاده والعالم من النازية الهتلرية أشرس الغزاة في التاريخ. 
ان بذور الثورة الاشتراكية ما تزال حية في التربة الروسية وليس بعيدا ذلك اليوم الذي سنراها تورق مخضرة من جديد فلننتظر قليلا لنحتفل معا.
علي الأسدي - لمزيد من الاطلاع يراجع :
Clara Weiss," Social Inequality in Russia reaches record Levels" World-1 Socialist Web Site, 19/10/2013
-2 Social Security Act, National Archives in US. 
-3 The Free Dictionary, National Income. Social Security in USSR."
-4 Forbs List
-5 Lynn Walsh "What Future for Socialism" ? Socialism Today,
September 2006