ليالي قريش.. الليلة العاشرة

ثالثا: غير الإرادة السياسية، لازم يكون عندك تنظيم سياسي، ما ينفعش يكون عندك مركز تجاري وإنت مجرد قبيلة زي عشرات القبائل اللي عايشة في جوف الصحرا، واللي عايشة بـ صورة شبه بدائية، من غير حاكم ومحكوم، هو شيخ قبيلة ودمتم. وكل قبيلة وكل بطن وفخذ جوه القبيلة ياخد حقه حسب قوته وحجمه من غير ضابط ولا قوانين.

قصي عمل نوعين من التنظيم السياسي، واحد منهم كان جديد لانج على منطقة الحجاز، والتاني كان تطوير لـ بذرة تنظيم عملوه الخزاعيين، والأول كان جزء من التاني.

لأ، واحدة واحدة.

قصي اخترع حاجة اسمها "الندوة"، والندوة دي تقريبا حاجة زي البرلمان في أثينا، عشر أعضاء، كل عضو من بطن قريشي حسب حجمه، والبرلمان ده كانوا بـ يسموه "الملأ"، (لاحظ الرقم عشرة لأن هـ نرجع له بعدين). المهام جوه البرلمان كانت متقسمة، بمعنى إن كل واحد، إلى جانب مهمته التشريعية كـ صوت من عشرة، له مهمة تنفيذية كـ وزير، خصوصًا ما يتعلق بـ الشأن الخارجي، والمعروف إن قريش مثلا عينت واحد من عشرة كـ سفير مفوض، وإن المنصب ده مثلا شغله عمر بن الخطاب قبل إسلامه.

القرار جوه البرلمان القرشي كان لازم يصدر بـ الإجماع، مش الأغلبية، وأعتقد إن ده اللي بدأ الهوس بـ فكرة "إجماع الأمة" و"إجماع الفقهاء" و"إجماع الجمهور" ولـ حد دلوقتي جامعة الدول العربية مش بـ تاخد قرار  غير بـ إجماع الدول الأعضاء.

"الندوة" ده كان تنظيم سياسي مبتكر، لكنه كان جزء من تنظيم أكبر، التنظيم الكبير كان سياسي متداخل بـ أمور دينية، لأنه كان بـ يضم مسئوليات كتير، الندوة واحد منها لكن كمان فيه مسئوليات تانية أهمها الرفادة والسقاية والسدانة واللواء، ومعظمها أمور لـ تنظيم موسم الحج، اللي هـ يبقى نقطة انطلاق التجارة، وموسمها الأول.

مش كل التنظيمات دي اخترعها قصي، لكنها مكنتش منتظمة، هو نظمها وجمع كل السلطات في إيده، لكنه وزعها على القبائل والبطون بـ حيث يبقى الجميع مرضيين، وفيه منها اللي اخترعه ابتداء.

رابعا، أهم حاجة بقى، نظمنا الحياة جوه مكة يفضل عملية تأمين التجارة في حركتها جوه الصحرا، ودي كانت عملية معقدة ليها كذا بُعد، الموضوع مش موضوع سلاح، وإلا كانت روما، أو فارس، أو حلفاؤهم في الحبشة واليمن والحيرة والشام قدروا يعملوا العملية دي، أكيد هم أقوى.

لذلك، العملية كان ليها جانب عسكري، وجانب ديني، وجانب ثقافي، ومجموعة من الإجراءات المتشابكة، اللي تخلي الواحد يرفع القبعة لـ راجل زي قصي، قدر يهضم كل ده، وينظمه على النحو اللي هـ نشوفه:

عسكريا، استعان قصي بـ جيش اسمهم "الأحابيش"، ودول فيه اختلاف على أصلهم وفصلهم، لكن الثابت هو إن قصي مش هو اللي أنشأهم، كانوا موجودين أيام الخزاعيين، اللي اختلف نقطتين: الأولى، طبيعة دورهم، اللي بقت ليها وضعية الجيش النظامي، وكذلك الشرطة، المسئول عن حفظ الأمن، والأحابيش دول فضلوا لـ حد "فتح" مكة على يد الجيش الإسلامي زي ما هـ نشوف. والنقطة التانية إنهم ما بقوش لوحدهم المسئولين عن الأمن، ودي الجوانب الدينية والقافية اللي بـ نتكلم عنها.

من ناحية تانية، كان ضروري التصرف مع القبائل اللي بـ تمر بيها التجارة، زي "غفار" مثلا، اللي منها أبو ذر الغفاري، الصحابي المعروف. القبائل دي مكنش ينفع معاها لا أحابيش ولا محابيش، لأنك ممكن تبقى معدي في الصحرا في وادي ولا جبل ولا غيره، ومأمن نفس كويس، يتعمل عليك كمين من "فئة قليلة" يعملوا معاك السليمة، ودول اتصرف معاهم قصي بـ كذا طريقة، خلينا نتعرف عليهم الليلة الجاية.

قبل ما أمشي أحب أشاور على كام اسم من الكُتاب اللي تأثرت بكتاباتهم وآراؤهم وكانوا مفيدين لي: عرفان شهير، محمد حميد الله، فكتور سحاب، جهد ضخم الصراحة.
 
تابعونا