أيام لاتُنسى في بعقوبه.


في حياة العراقيين الكثير من الأيام الحزينة والقليل من الأيام المفرحة . ولا يمكن لذاكرتهم أن تنسى ذلك الصباح المكفهر الذي أطل على العراق بكل ثقله وأوجاعه، وسفكت على أثره أنهار من الدماء ومازالت آثاره الكارثية باقية إلى يومنا هذا نتيجة مقولة (عفا الله عما سلف) التي أطلقها الزعيم الوطني الشهيد عبد الكريم قاسم . إنه يوم الثامن من شباط عام 1963م. يوم الإنقلاب الدموي البعثي الذي أجهز على ثورة الرابع عشر من تموز الوطنية الكبرى وزعيمها الخالد إبن الشعب البار الشهيد عبد الكريم قاسم وصحبه الشهداء الأحرار. وقد سادت بعد حدوثه حقبة من الإرهاب البعثي لم يشهد لها تأريخ العراق مثيلا لطخت تأريخ هذا الحزب الفاشي الدموي بالعار والشنار. 
كان معهد المعلمين الذي كنت أحد طلابه في مدينة بعقوبة يقع على مساحة واسعة من الأرض تحيط به الأشجار من كل جانب. وكان عدد طلاب المعهد يربو على الألف طالب. وعدد المدرسين حوالي الخمسين مدرسا. وكان مدير المعهد شخصية اجتماعية متميزة ومعروفة هو الشاعر والأديب الأستاذ المرحوم ( حسين بستانه ) وكانت له معرفة بالزعيم الشهيد عبد الكريم قاسم وأتذكر أحدي قصائده المنشوره والتي عنوانها (تحية الزعيم ) يقول في مطلعها : 
لو أستطيع لصغت الشعر من ذهب 
قلادة لزعيم الكرد والعرب. 
وقد أضمر له البعثيون حقدا دفينا وانتقموا منه بعد حدوث الانقلاب الدموي. فتم إغتياله على طريق المقدادية – بعقوبه بعد الإنقلاب بفترة قصيرة رغم كبر سنه.
في إحدى الصباحات التي سبقت الإنقلاب المشؤوم بأيام وجدنا إعلانا يبشرنا بفرحتين إحداهما منح مبلغ عشرة دنانير تبرع بها الزعيم إلى كل طالب في المعهد. والثانية إن الزعيم سيقوم بزيارة للمعهد قريبا. وكان ذلك المبلغ كبيرا في تلك الفترة وقد أثلج قلوب الطلاب خاصة إن أكثرهم من الفقراء. وآنتظرنا يوم اللقاء بالزعيم على أحر من الجمر. وكنا نسأل المدرسين يوميا عن تلك الزيارة المرتقبة فكانوا يجيبوننا بأن الزيارة باتت على الأبواب ولكن ذلك الحلم لن يتحقق بعد حدوث الانقلاب وآستشهاد الزعيم عبد الكريم قاسم وصحبه الأحرار. 
لم أنس ذلك الطالب الضخم الجثة والمتجهم القسمات، والإنعزالي القليل الحديث وصاحب النظرات المريبة الذي يحضر للصف بين فترة وأخرى . وقد عرفت فيما بعد إن إسمه (مزبان خضر هادي) عضو ماسمي بالقيادة القطرية لحزب البعث. الذي ترك المعهد ولم يتخرج منه. وتحول إلى وحش كاسرعلى الطلاب بعد حدوث الانقلاب. حيث كان يحضر إلى القسم الداخلي مع عصابة من المسلحين بعد منتصف الليل ويسحب بعض الطلاب من أسرة نومهم ويحشرهم في سيارات تنطلق بهم ألى مكان مجهول. وقد آختفت آثار البعض منهم ولم أتذكر أسماءهم. وكان يضمر حقدا دفينا لطلاب المحافظات الجنوبية ويكرر دائما إن معظمهم (شيوعيون قاسمييون شعوبيون فيليون.) والمصيبة أن مزبان هذا كردي الأصل تنكر لقوميته الكردية. ولا ضير أن يكون الإنسان من أية قومية حيث يقول الشاعر:
كن آبن من شئت وآكتسب أدبا 
يغنيك محموده عن النسب
إن الفتى من يقول هاأنذا
ليس الفتى من يقول كان أبي.
في ضحى ذلك اليوم الشباطي الرهيب وردتنا أنباء انقلاب الثامن من شباط الدموي. وقد نزل الخبرعلى رؤوسنا كوقوع الصاعقة، واضطرب البعض ولن يصدقوا ماحدث، وتقاطرت الدموع من عيون الكثير من الطلاب حزنا وألما على ذلك الحدث المأساوي . حيث كانت شعبية الزعيم عبد الكريم قاسم بين أوساط الطلبة كبيرة شأنهم شأن معظم العراقيين . وكنا نمني أنفسنا بأن نسمع خبرا يكذب حدوث الانقلاب أو يقبره في مهده ولكن سبق السيف العذل وحدثت الكارثة بعد أن تأكد نبأ الانقلاب حين لمحنا مدير المعهد الأستاذ المرحوم حسين بستانه يتجه نحو ساحة المعهد. فألقى كلمة وهو شاحب الوجه وطالب الطلاب بالحفاظ على النظام. فتعرض للصفير والسب والشتم من قبل بعض الطلاب البعثيين وعدد من المدرسين الانتهازيين. وكان أشرسهم مدرس فلسطيني يدرس اللغة العربيه أسمه ( محمد ) حيث هاجم حسين بستانه بعنف ووصفه بأنه ( عميل قاسمي موتور ) ثم وجه كلمات نابية إلى شخص الزعيم عبد الكريم قاسم الذي ناصر القضية الفلسطينية وأعتبر الفلسطينييين من أهل البلد. وحارب في فلسطين وحرر قرية كفر قاسم عام 1948م. ولكن أصبح حال ذلك المدرس الفلسطيني كحال الضبعة (أم عامر) حين بقرت بطن من آواها وقدم إليها الطعام وهي قصة تأريخية معروفة في التراث العربي حيث رثى اخ للضحية الذي آوى تلك الضبعه في قصيدة يقول في مطلعها : 
ومن يصنع المعروف في غير أهله 
يلاقي الذي لاقى مجير أم عامر. 
بعد ذلك تم فصل الأستاذ حسين بستانه من المعهد ولم نسمع بخبره إلا بعد سماع خبر اغتياله وهو في سيارته على طريق المقدادية – بعقوبه.
يقول حنا بطاطو في الكتاب الثالث ص290:
(في الساعة 9:40 صدر البلاغ رقم 1 لزعماء الإنقلاب الذين سموا أنفسهم ( المجلس الوطني لقيادة الثوره ) وبإنشاء تكراري وفضفاض أعلن البلاغ ( إنه بعون الله تم وضع حد لنظام عدو الشعب عبد الكريم قاسم.) ثم يسرد في صفحة أخرى كيف إن قاسم إتصل بعبد السلام عارف مساء يوم الثامن من شباط وقال له بالحرف الواحد (أنا أخوك ولن أنسى أبدا الخبز والملح الذي بيننا . وطلب أن ينفى خارج العراق لكن عارف لم يصغ لكلامه. ومن الجدير بالذكر إن قاسم عفا عن عبد السلام عارف حين كان الأخير يحاول قتله. وتم اعتقال قاسم في الساعة 12:30 وتم تنفيذ الإعدام به وبالمهداوي ووصفي طاهر وطه الشيخ أحمد ومساعد صغير في الساعة 13:30.) ولم تعرف المكان الذي ضم جثامينهم الطاهرة لحد هذا اليوم . وهكذا انتهت حياة قائد أعظم ثورة وطنية في تأريخ العراق والوطن العربي بهذه الصورة المأساوية. وقد قدر الذين كتبوا عن الإنقلاب إنه تم قتل خمسة آلاف مواطن خلال يومي 8و9 شباط. وزج عشرات الآلاف في السجون.ويستطرد حنا بطاطو في صفحه 300 من كتابه قائلا (في حديث شخصي منفرد للملك الأردني الراحل حسين مع محمد حسنين هيكل رئيس تحرير ( الأهرام ) إسمح لي أن أقول لك إن ماجرى في العراق يوم 8 شباط قد حظي بدعم الإستخبارات الأمريكية .) 
تعطل الدوام في المعهد بعد آعتقال العديد من المدرسين، ونتيجة صدامات حدثت بين المعارضين والمؤيدين للإنقلاب. ولجأنا نحن طلاب المحافظات البعيدة إلى غرف القسم الداخلي وكنا نسمع البيانات التي يذيعها الإنقلابيون من راديو بغداد لتشويه سمعة الزعيم . وآدعوا بأنهم عثروا في وزارة الدفاع على ملاعق ذهبية كان يستعملها وغيرها من الأكاذيب المفضوحة التي يجيدها البعثيون إجادة تامة في مثل هذه الظروف.والشعب العراقي يعلم تمام العلم بأن الزعيم لم يترك وراءه غير البدلة العسكرية وفي جيبه مبلغ زهيد وقد عثر على بعض أوراقه بعد الإستيلاء على مكتبه إنه كان يوزع راتبه بآنتظام على بعض الأسر المحتاجة في بغداد وهذا ماذكره أشخاص عديدون كتبوا عن حياته الزاخرة بالزهد في الحياة. وتحقيق مبدأ تكافؤ الفرص والحد من النوازع الطائفية. والتأكيد على الهوية الوطنية ، وتحقيق الإستقلالين السياسي والإقتصادي.وهناك الكثير من الكلام الذي يثبت زهد الزعيم ونزاهته وتضحياته من أجل سعادة الشعب العراقي التي آنتزعها البعثيون وحولوها إلى جحيم لايطاق لثلث قرن من الزمن . ومن أراد المزيد من الإطلاع فليقرأ كتاب سنوات الجحيم للأستاذ حامد الحمداني.
لقد سادت فترة دموية رهيبة واعتقل الكثير من المدرسين والمعلمين وأساتذة الجامعات والموظفين في بعقوبه ومن عجيب الصدف إن أحدى المقاهي القريبة من نهر خريسان الذي يخترق المدينة يملكها شخص إسمه خريسان أيضا. حيث هوجمت في إحد الأيام من قبل عصابات البعث وآختفى صاحبها بحجة أن المقهى كانت مقرا للشيوعيين . وهي تهمة سهلة كانت تلقى على أي مواطن يروم البعثيون اعتقاله.
ومن العادات السائدة في ضواحي بعقوبه إذا دخل شخص من غير أهل المنطقة وشرب كأسا من الشاي فأن أحد أبناء المنطقة يدفع قيمة كأس الشاي دون معرفة سابقة. وعندما يهم الشخص بالخروج يقول له صاحب المقهى ( جايك واصل.) وقد دفع عنا أجرة كؤوس الشاي مرة أحد الأشخاص الذي كان يغطي رأسه بكوفية بيضاء لكبر سنه وعندما اقتربنا منه لنشكره تأكد أنه مدرسنا في المعهد. وقد نصحنا بعدم التطرق إلى الأمور السياسية حيث وصف الأوضاع بالحرجة والخطيرة. و قال لنا إنكم من محافظات بعيدة وعليكم أن تكونوا في أتم الحذر واليقظة وقد لمسنا من كلامه بأنه مستاء من الإنقلاب. فشكرناه كثيرا على نصائحه .
حضر مزبان إلى المعهد بعد اختفاء دام عدة أسابيع.وأخذ يكيل الشتائم ويتوعد بآعتقال كل (عميل شيوعي وقاسمي) كما قال. وبعد فترة صدرت إلينا الأوامر من مديرية التربية بالالتحاق في المدارس الإبتدائية معتبرة إن فترة التطبيق في المدارس هي الشرط الأساسي للتعيين.وكان نصيب طلاب المحافظات الجنوبية في قرى بعقوبة المترامية الأطراف. أما أهالي بعقوبه والمناطق القريبة منها فقد عينوا كمطبقين في مناطق سكناهم. ولا أدري ربما عمل ذلك بتوصية من مزبان.وكانت أجرتنا اليومية 200 فلسا. 
وقد كان نصيبي مع ثلاثة آخرين قرية أسمها ( سنيجه) التي لم نسمع بها. فكتبنا عريضة إلى مدير التربية الجديد نطلب فيها وضعنا في مدارس قريبة بآعتبارنا غرباء عن المنطقه ولا نعرف هذه الأماكن فرفض طلبنا وطالبنا باللحاق في المدرسه دون أي اعتراض . كذلك رفضت كل طلبات طلاب المحافظات الجنوبية بتغيير المناطق التي أمروا أن يذهبوا أليها. بدأنا نسأل عن تلك القرية وبعد جهد استأجرنا سيارة تاكسي على حسابنا الخاص بعدة دنانير رغم قلة مافي أيدينا من نقود. وبعد حوالي الساعتين وصلنا إلى مشارف القرية حيث وجدنا بعض الأطفال يلعبون. وعندما لمحوا التاكسي دفعهم فضولهم إلى معرفة القادمين إليهم. ويبدو أن التاكسي كان لايصل إليهم إلا في حالات نادرة. وكان أحد الأشخاص من أهل القرية يملك سيارة باص خشبية قديمة من نوع ( فالفو) ينقل أهالي القريه من وإلى مدينة بعقوبه يوميا. حيث ينطلق صباحا ويعود مساء.ثم سمعنا أحد الأشخاص يقول للأطفال ( يمكن أجوكم معلمين جدد.) فانطلقوا راكضين نحو بيوتهم ليخبروا عوائلهم بقدومنا. 
وحين توسطنا القرية جاء بعض الأشخاص للترحيب بنا وكان شيخ القرية ومختارها في مقدمتهم. ورحبوا بنا كثيرا ودلونا على المدرسه فوصلنا إليها وكان بناؤها الخارجي لاباس به وقرأنا القطعة المعلقة ( مدرسة سنيجة الابتدائية للبنين تأسست عام 1959م.) فاستقبلنا مدير المدرسه الأستاذ ذكر الله محمد صالح وكان يقيم في المدرسه . ويبدو أن بعض المعلمين الذين كانوا فيها قد نالوا نصيبهم من الاعتقال على يد مزبان وعصاباته الذين كانوا يجوبون المنطقة وهم مسلحون ويعتقلون أي شخص يرغبون باعتقاله. أرشدنا مدير المدرسة إلى غرفة نومنا ثم قال (لايمكنكم النوم مالم تمسحوا أجسامكم بهذا المسحوق الأبيض) وأشار إلى برميل صغير مغلق كان يرقد في الغرفه فقلنا له وما هو هذا المسحوق الأبيض.؟ قال (إنه مادة قاتلة للبراغيث والبراغيث هنا لاترحم !!! ) وقد ألقينا نظرة على زوايا الغرفه فرأينا تلك البراغيث تتقافز يمينا ويسارا وفي كل اتجاه. وبقينا نتحدث في مواضيع شتى عدا السياسة التي كنا نحذرها في تلك الأوقات العصيبة وفي تلك المنطقة البعيدة عن أهلنا. ويبدو أن صاحبنا كان يبادلنا نفس الشعور. وبعد ساعة من الزمن جلب إلينا شخصان سفرة من الأكل تكفي لعشرة أشخاص وقالوا إنها من أهل القرية وكان ذلك هو أول الغيث والكرم النبيل الذي اتصف به أهالي سنيجة طيلة مكوثنا في القرية التي زادت على الثلاثة أشهر. لم نكن نرغب في الليلة الأولى بمسح أجسامنا في المسحوق خوفا من تسممنا. ولكننا اضطررنا لاستعماله والإستحمام صباحا لأننا لم يغمض لنا جفن في الليلة الأولى حيث أصبحت أجسامنا غذاء دسما للبراغيث حتى الصباح . 
كان عدد تلاميذ المدرسة يربو على 120 تلميذا والمدرسة تحتوي على ستة صفوف عدا صفين يستعملان للمبيت وغرفة أخرى للأداره وغرفة أخرى للمعلمين وقد قدمنا مدير المدرسة في الاصطفاف الصباحي لجميع التلاميذ وقال لقد حضر المعلمون الجدد من أماكن بعيدة لتعليمكم وما عليكم إلا أن تحترموهم كإخوانكم الكبار فهل سمعتم ؟ أجاب الجميع وبصوت واحد ( نعم أستاذ .) ثم عقب المدير بجملة ( بارك الله بكم أولادي النشامه .) وقد مرت الأيام ولم نشعر بها لشدة طيبة أهل القرية أولا وكرمهم ثانيا . وكانت عوائل التلاميذ حريصة كل الحرص على أبنائها. وكان البرتقال اللذيذ الذي يتميز طعمه عن طعم أي برتقال في العالم يأتينا من أهل القرية مجانا .أما القيمر فلم أجد ألذ منه في تلك القرية. وفي كل يوم جمعه يأتينا شخص من أهل القريه ويعزمنا على تناول طعام الغداء في بيته وكان ذلك الأمر من تقاليد أهل القرية الثابتة. ورغم عدم وجود الكهرباء في القريه فقد كنا لانشعر بعدم وجودها لبرودة الجو.وقد حضر مزبان وعصابته في أحد الأيام إلى المدرسه وآستفزنا بكلمات نابية وقاسية فكنا نسمعها ولم نرد عليها تحاشيا من عدوانيته وعدوانية جماعته . ولم نسمع كلمة جارحة واحدة من أهالي القرية . وكانوا كرماء جدا معنا وهي شيمة معظم العراقيين رغم بعض العدوانيين والطائفيين الذين خرجوا عن تقاليد هذا الشعب الكريم الأصيل. وشتان بين موقفهم وموقف مزبان الذي أستأسد علينا لكنه تحول بعد ذلك إلى جرذ مرعوب حين رأيته متخاذلا ذليلا وهو في قفص الإتهام يستعطف القاضي رؤوف بأنه (بريئ) و ( سيد ) خدم المجتمع، وعمل على توسعة مجاري مدينة النجف الأشرف حين عين محافظا لها. فشتان بين الموقفين المتناقضين. إن الشيء المؤلم الذي حز في نفسي ونفوس الكثير من الطلاب هو وأد ذلك الأمل الذي راودنا بتحية الزعيم الخالد الشهيد عبد الكريم قاسم وآلتقاط صورة تذكارية معه. وكما يقول الشاعر : 
ماكل مايتمنى المرء يدركه 
تجري الرياح بما لاتشتهي السفن.