في 8 آذار...عبر و دروس


    

في يوم المرأة أهديها بعض ما اهدتني والدتي :
في جلسة من جلسات البيت انا و هي و نحن في اسئلة و اجوبة مرات اتحجج لأسئلتها و مرات اخرى تتعمد احراجي او تتعمد تعليمي شيء تعتبره حكمة استفيد منها و مرات مجرد كلام عابر
ما كلمتني يوماً عن مصروف او ملابس او مأكل او اي شيء و بالذات و انا اصبحت المسؤول عن عائلة كبيرة بعد وفاة والدي و بالذات بعد اختفاء اخوتي في نهاية السبعينات
والدي كان حاد الطبع صارم في كل شيء...لا يقبل بأي شيء مسيء له او لنا او للعامة...لكنه يمتاز بشيء لم نعرفه ربما الا في الايام الاخيرة...
عندما نخطأ نهرع للحمام حيث نستعد للضرب ب(الصوندة) ...لكنه لم يمسس ايٌ منا في الشارع و لا حتى ينهره او يتكلم معه بصوت عالي...سنعود الى ذلك في عيد الاب القادم .
المهم في موضوعة اليوم انه لم يمد يده على اي واحدة من النساء في البيت اي والدتي و اخواتي الأربعة مطلقاً.
كانت والدتي تُحيرني حيث لا اتذكر انها هبَّتْ للدفاع عنا من عصبية السيد الوالد و لن تسمح لنا باللوذ بها مطلقاً و حتى لم تُبين امتعاضها امامنا...
مرت الايام و بعد وفاته بسنين سألتها عن ذلك.... لماذا؟
ضحكت...و قالت :
هل سمعته يوماً أنه نهرني او تطاول بالكلام او رفع صوته بوجهي او ضربني؟...قلت لها ابداً
قالت لأني لم اسمح له بذلك...كنت اتألم عندما يضربكم او يقسوا عليكم لكني افكر انه لو تطاول عليَّ يوماً او مرة واحدة سيسهل عليه تكرارها...و سينكسر شيء كبير بيننا...و هو هيبته في عيني...سيصغر في عيني و هو كما تعرف لا يستحق ذلك...و سيتألم كثيراً و يشعر بالذنب فهو عاطفي و نحن لم نتعود على ثقافة الاعتذار...كل عمل اوله صعب ...كل حالة بدايتها صعبة...و عندما تحصل الاولى تتسلسل التاليات.
2. سألتها مرة عن قصة مهر اخي الكبير له الذكر الطيب ( أخْتُطِفَ في عام الحرب الطائفية 2006 في بغداد /السيديه و دفعنا الفدية و قَتلوه / مهندس ميكانيك خريج عام 1967 بغداد )حيث اتذكر ذلك جيداً عندما قَدّمَتْ له مبلغ لا بأس (عام 1969) به لمساعدته كمهر لزوجته...و انا اعرف اننا نعيش العوز مثل كل العراقيين في بداية السبعينات.
قالت هناك قصة خلف ذلك...فوالدك كان يستلم راتبا مقداره (17.5 دينار) و نحن عائلة كبيرة...و كان لا يأخذ منه سوى مبلغ جداً قليل لشراء التبغ و وورق لف السكائر (لم يجلس يوماً في مقهى).
و كان اخوك يُعِينْ العائلة بعشرة دنانير شهرياً...يُسَّلِمها لوالدك الذي يسلها لي لأني المسؤولة عن مصروف البيت ...كنتُ احفظها و لم اقترض منها شيئاً و عندما تقدم لخطبة زوجته...قدمتُ له كل المبلغ الذي ارسله لنا فكانت مفاجئة له و لأهل زوجته عندما عرفوا بذلك و هم ناس بعيدين عنا (ميسورين) ( هي كردية من دهوك و لدت في الموصل حيث كانوا يعيشون ثم انتقلوا الى السكن في بغداد)...رفعتُ بذلك رأس والدك و اخوك امامهم.
3. سألتها ...لماذا كان قراركم أن من يتزوج منا يجب أن يسكن في بيت منفصل و لم تسمحوا لأي منا ان يعيش معكم ...و لا تستطيعون معاونتنا...إلا بامتناعكم عن قبول ما يجب أن نقدمه لكم إلا بعد استقرار حالنا؟.
قالت حتى نعيش مثل اليوم اصدقاء و نسأل عن بعض ...لو عشتم معنا لكانت المشاكل و ربما تجاوزنا الحدود نحن و انتم و لتعرضنا للإهانة من بعضنا...و لِما استطعتم ان تكوّنوا انفسكم في بيوت خاصة بكم...ربما لم تشعروا بزهونا و فرحنا و فخرنا عندما نجد كل واحد منكم مستقر في دار خاص به... لكن عندما تزورون بيوت اولادكم ستتذكروننا و ستعرفون قيمة ذلك و تترحمون علينا و تفتخرون و تشكرون.
4. سألتني مرة ( تختبرني) سؤال اعتبره فلسفي...قالت من ضمن الحديث عن البناء و العمل و الفلاحة و الزراعة
قالت : لو حضر امامك عاملان او فلاحان يحمل كل منهم مجرفة (مسحاة)...أحدهم نظيف و (مسحاته) مجرفته (مزنجرة أي صدئة) و الاخر ملابسة عليها اثار العمل و مجرفته (مسحاته) لامعة ...و انت تحتاج عامل واحد ...ايهما تختار؟
قلت لها طبعاً صاحب الخبرة يعني الظاهر من ملابسة و عدته...صاحب المجرفة الامعة من العمل. 
ضحكت و قالت...حقك ...و ربما الكثيرين سيختارون مثل اختيارك و لا الومهم ...لكن: فكر مرة واحدة. أن الآخر جديد على العمل و قد اضطر اضطراراً له و لا خبرة لديه... فإذا انت لا تتعامل معه و الاخرين ...كيف يعيش؟ و كيف يتعلم؟...و اذا لم يجد هذا الشاب عمل ماذا سيفعل ليعيش هل يسرق؟ أم يرتكب جريمة؟...و ماذا لو كان يُعيل عائلة؟.
الان اجد ان في كلامها حكمة و عطف و محبة و كأنها تتصور ابنها في مكان ذلك الشاب...و هذا ينسحب على كل العاملين اليوم لأن كل رب عمل يبحث عن الخبرة...لذلك قامت الدول بفتح مراكز تدريب و اشترطت على المؤسسات تدريب الشباب.
5. صديقتي ...والدتي ...لم تضرب يوماً احد من ابنائها او بناتها بتاتاً و لم تتشاجر مع أحد و لم تعتدي على أحد و لم ترفع صوتها على أحد مطلقاً.
كانت تقابل الاخر بابتسامة و اهلاً و مرحباً حتى ان كان يستحقها فهو قد قُبل و ان كان لا ...قالت له "الله وياك" .
6. كانت تشتري الصوف و تغسله و تغزله و تحيكه عباءة لزوجها و تخيطها بيدها دون (ماكنة خياطة) حتى بعد ان دخلت ماكنة الخياطة...
سألتها لماذا و اختي الكبيرة لديها ماكنة خياطة (سنكَر)؟...
ضحكت و قالت ان والدك يعتبرها انا...أنا أمشي معه ...اُغطيه و أصونه و أُهندمه...
كانت عباءته شياكته و هيبته و شرفه...هيبته لأنه بطوله الفارع و اتزان مشيته و نظافته و احترامه لنفسه...و شرفه لأني أنا من غزل و حاك و خاط و انا شرفه...و اُغطيه... لآنها تحميه من البرد و قت الشتاء...أما شياكته فلأنه يقول ان العباءة تغطي كل ما تحتها من ملابس.
لك الذكر الطيب يا صديقتي والدتي في هذا اليوم و الذكر الطيب للعراقيات و لنساء العالم...مع تحية و احترام و تقدير و اعتزاز.
صديقكِ...أبْنُكِ 
ملاحظة : كنت اتمنى ان اكتبها باللغة المحكية العراقية كما كان الحديث بيني و بين صديقتي ...لكن وجدت ان هذه الصيغة افضل.