وشرّ النهايات هذا المطاف

في أعوام الستينات ظهرت موجة مسرحية من أدب اللا معقول، وهذا الأدب لون من ألوان المسرح العبثي لا يستند في حواره وشخوصه وزمانه ومكانه إلى عقل، أو منطق. لا تعرف اليمين من اليسار، ولا اليسار من اليمين، وأين موضع الرأس من موضع القدم، فكل شيء يجري بالمقلوب.
ولأن هذا الزمان شرم برم. لا ضوابط فيه ولا موازين. الصحيح هو الخطأ، والخطأ هو الصحيح. ونلتقي كل يوم مع أشباه رجال، وأشباه ساسة، وأشباه مثقفين، وأشباه أقلام.
نحن نعيش زمن العجائب. لا قيم ولا مبادئ. لا حكمة ولا معنى. خداع وزيف، كذب في كذب. ومن الممكن في هذا العصر أن يصبح قاطع الطريق بطلاً ثورياً، ومن الجائز أن يصبح تاجر الدماء رقماً انتخابياً، ومن المستحب أن يكون صريع الغواني حارس شرف الأمة. فأنت ترى ما لا يخطر على بال إنسان، ولا يخطر على قلب شيطان.. والعالم اللغوي أبو هلال العسكري هو القائل:
لا خير في قوم تذلّ كرامهم
ويعظم فيهم نذلهم ويسودُ!
لقد قرأت مرة لجوركي عبارة على لسان أحد أبطاله، يقول فيها: اذهب إلى الميناء واشتر لنفسك بنطلوناً جديداً، انك ببنطلون جديد ترتفع في أعين الناس، فإذا سقط عنك البنطلون، سقطت أنت الآخر! 
وسقى الله أياماً كانت الناس تهاب العيب، وتتهيّب الحرام، وتقضي حوائجها بالكتمان. وفي هذه الأيام صار العيب مباحاً، والنفاق مستباحاً، واللعب على الحبال فهلوة، والكلام الفارغ تحليل عظيم، والخطايا مآثر، والباطل يمكن تحويله إلى حق بنقطة حبر.. وشرّ النهايات هذا المطاف، كما قال الجواهري. 
في رواية (الأخوة كرامازوف) للأديب الروسي الشهير دستوفيسكي هناك حكاية ذات معنى تقول: إن السيد المسيح نزل فجأة في اشبيلية، وخرج الناس من البيوت والكنائس يمشون وراءه. فتضايق كاردينال المدينة ووقف أمامه قائلاً: لم يعد اليوم في الإمكان تنفيذ جميع تعاليمك. فإمّا أن تخرج من المدينة، أو أضعك في السجن.. تأمّلوا كيف يريد الكاردينال أن يحاكم السيد المسيح عليه السلام بتهمة عدائه للمسيحية؟!
سأل الخليفة المأمون العالم المعتزلي ثمامة بن الأشرس: ما شرّ البلاء؟ قال: عالم يجري عليه حكم جاهل. قال: كيف عرفت هذا؟ قال ثمامة: حبسني الرشيد عند مسرور فسمعته يوماً يقرأ من قوله تعالى: (ويلٌ يومئذ للمُكذبين) بفتح الذال، فقلت له: لا تفتح الذال بل اكسرها، فإن (المكذبين) بفتح الذال هم الأنبياء والرسل، فعانيت منه تلك الليلة الموت من شدة ما عذبني، وذقت شرّ البلاء يا أمير المؤمنين!