ليلة القبض على القرآن الكريم!!!

 

ليس عنواناً صحافياً أحاول فيه إثارة القاريء لكسب إهتمامه وتعاطفه, وليس قصة فبركها كاتبها حتى يسجل سبقاً إعلامياً يشار له بالبنان.

إنما هي واقعة حقيقية قد وقعت قبل أكثر من عشرين عاماً في زمن اللانظام الصدامي وبالتحديد في يوم 2/5/ 1988.

كنت آنذاك جندياً في الفوج الثالث لواء(420 )المشاةالتابع للفرقة السابعة للجيش العراقي ,الذي كان خارجاً للتو من معركة إعادة مدينة الفاو ,من سيطرة القوات الإيرانية بعد بدأ الهجوم الذي شنته القوات العراقية صباح يوم السابع عشر من نيسان في نفس العام.

الساعة إقتربت عقاربها من السادسة مساءا ,الشمس في طريقها للغروب,الجنود والمراتب قد تجمع منهم عددا كبيرا ًلإستلام نماذج الإجازة الدورية التي تأخرت بسبب المعارك الشرسة التي حصلت في الأيام السابقة, غالبية الضباط المعنيين بالشأن الأمني والإستخباراتي قد تجمعوا ,وانه لأمرغريب يلفت النظر ,إذ لم يعهد منهم ذلك في مرات سابقة , الجنود بدأوا يتسلمون نموذج الإجازة الدورية التي تأخرت بسبب إندلاع المعارك الدائرة بين الطرفين ,واحداً تلو الآخر, آلت النوبة لي عندما رفع ضابط التوجيه السياسي المدعو (عبد الرسول علي حسين) من أهالي ديالى صوته في وجهي, وطالبني بفتح حقيبتي بصورة همجية , لم يتمالك نفسه فمرت يديه مسرعة داخل الحقيبة لفتحها ,إنتابني شعور إنه يتوجس خيفة من فراري على أقل تقدير, أخرج مافي حقيبتي من كتب وقصاصات ورقية بصورة عشوائية كادت تمزق البعض منها,كنت أستصحب البعض منها طيلة الفترة السابقة,وبعض منها قد وجدته في الملاجيء التي تركها الإيرانييون بعد الهجوم العراقي في المعركة التي أشرت اليها ,في حقيبتي كانت نسخة من الرسالة العملية للسيد الخوئي(قدس) التي كادت لاتفارقني في حلي وترحالي, , كان حملي إياها يعد جريمة لاتغتفر وفق دستورهم الذي خالف الدساتير الوضعية قبل الإلهية منها .

الصفعة التي وجهها لوجهي ضابط الإستخبارات المدعو(خضر الدوري) ,أعطت الإذن لمن في الساحة ,لبدء سبي وشتمي, وأن ينهال كل من الموجودين والمتملقين الذين حضروا ساعتها عليَّ بالضرب ,الذي إستمر بعد ذلك عدة أشهر.

أما الجريمة الكبرى والتي أحدثك عنها الآن ,فهي وجود (نسخة من القرآن الكريم) وجدتها في الملاجيء الإيرانية ,وكانت صغيرة الحجم مترجمة الى اللغة الإيرانية,تم التحرز عليها كمبرز جرمي ضدي,عندها إنهال آمر الوحدة آنذاك المدعو النقيب (مشرف حمود النجم ) من أهالي الأنبار, مع آمر سريتي المدعو(خالد عداي زبون) من أهالي البصرة ,وجَمْعٌ معهم بالضرب عليَّ بصورة همجية ووحشية, وبدأوا بسبي وشتمي ووصفي بالخيانة ,وصت ذهول مني ومن كان يقف بقربي ,ثم أدخلوني الى غرفة آمر الوحدة وأحاطو بي من كل مكان ,كل يضرب بطريقته ,وكل يسب ويشتم بالطريقة التي يراها تقربه زلفى لدى آمره النقيب مشرف ,بعد قليل أُدخِلَ بعض الجنود الذي كانوا معي في نفس الحظيرة العسكرية منذ مايقرب من السنتين وكانوا أربعة.

بدأ ضابط الإستخبارات بطرح الأسئلة عليهم ,عن كل تحركاتي ,وعن المواضيع التي كنت أطرحها عليهم في أوقات فراغنا,

مفاجئة كبرى!! فقد سجل أحدهم إعترافاًضدي ,وأيده آخر وإمتنع من بقى,والتهم قد أصبحت جاهزة ,( شتم الحزب وقيادته, وحث البعض على عدم مقاتلة الإيرانيين ,والحث على قتل الضباط الرفاق ,والتهجم على شخص رئيسهم وهي الجريمة العظمى والتي لاتغتفر أبداً وإن كان الله يغفر الذنوب جميعا),فقد خيرهم آمر الوحدة العسكرية (إستغفالاً )بجعلهم شهودا ًعليَّ, ومنح كل منهما إجازة شهراً مقابل تثبيت التهم التي ذكرت,أما إذا رفضوا فسيؤول حـالهم مثل حالي,ومايؤسفني انهم قد ضعفوا(لاأقول أو لاأرغب أن أقول غير ذلك! )وإختاروا أن يكون كل منهم شاهداً على كل مالفق ضدي من إتهامات ,وفي النهاية وبعد أن نال مشرف مراده ومبتغاه منهم,لم يفي لهم بما وعدهم ,بل إعتبرهم من المتسترين على جريمتي كما يحلوا لهم أن يسموها.

دام إعتقالي أكثر من سنة على مرحلتين,استمرت الأولى أكثر من ستة أشهر ,نُقِلْت فيهما لأكثرمن سجن ومعتقل ,تبعا لتحرك الوحدة العسكرية التي كنت فيها ,فمن معتقلات البصرة الى معتقل في العمارة ومنها الى معتقلات بغداد وخانقين أيضاً وأربيل ,ومعتقلاتها كانت قد ضمتني بين حيطانها وأبوابها الموصدة ,التي تَصُرْ كلما حَركَّها السجانون, ولها حكايات وحكايات لعلي أوفق لكتابتها لاحقاً,والتي لاقيت فيها مالاقى من قبلي وبعدي من الذين رفضوا السير والتبعية للنظام الصدامي وأعوانه من ضيم وقهر وعذابات لاتنسى ,

أما كيف إنتهت القصة قصة إعتقالي وإعتقال القرآن معي ,

فقد كانت في قفص للإتهام في مدينة كركوك,وتحديداً في (المحكمة العسكرية الدائمية الرابعة ),حين قدمت أوراقي وأوراق من معي بين يدي القاضي العميد (محمد صالح داوود )ويومها المصادف 22/9/1989 , بعد أن إعتبرت نسخة (القرآن الكريم) التي اُعتقِلَتْ معي مبرزاً جرمياً ,وعدت من غنائم الحرب التي نصت عليها المادة 111/ 2 قانون العقوبات العسكرية العراقية,والتي بموجبها أصدرت المحكمة المذكورة عليَّ وعلى( القرآن الكريم) حكمها بالحبس البسيط لستة أشهرمع إحتساب مدة التوقيف من ضمن الحكم الصادروأفهم القرار علناً.

وللأمانة التأريخية إن العميد الذي أصدر الحكم (قَدْ قَبَّلَ نسخة القرآن الكريم قبل إصداره الحكم والنطق به) ,كذلك طُلِبَ مِنا بعد إصدار الحكم أن نرفع أصواتنا ونردد(فلتحيا العدالة!!)

فرددنا !!!

ورددوا معنا فلتحيا العدالة !!!.