نقص وطنية

 


 يُصاب المتأمل بالذعر لهذا الكم من فاقدي الإحساس الوطني... لهذا العدد من المولودين بنقص بالمشاعر الوطنية وبعدم اعتزازهم المطلوب بالعراق... وانه إذا كان لكل المخلوقات الحية أوطان، وإذا كانت للذئاب والضباع والأفاعي والعقارب (أوطان) اوجار وأنفاق وجحور وثقوب تعيش فيها وتدافع عنها فان بين العراقيين من هم بنقص ولادي بالمشاعر الوطنية... ويتضرعون إلى من يحتل وطنهم..
ولأن الإنسان، وكما كل مخلوق حي, لا بد وان يكون له وطن، فكان وطن المعتلين والمعوقين في العراق هو الذي يقيمونه بالكلمات والادعاءات والتخريجات والشعارات... ويعوضون عن نقصهم التربوي وعن التلقينات المرضية بطوبائيات وتهويمات ومزاعم كثيرة... وتجمع بينهم صفات وخصال وسمات وسلوكيات منها أنهم يبدون كمقطوعين, مقطوعي الأصل والانتماء والضمير العام وان كل ما تبلغه أياديهم هو من حقهم بلا منازع ولا يشعرون بأنفسهم ووجودهم بلا من يكرهونه ويناصبونه العداء... والمقطوع يعيش وحدته الموحشة التي يمكن تلطيفها بالإثارة والنهب والحياة المحتدمة، وان تحري أخبار وسلوكيات هذه الفئة يعني الشاذ والزاعق وعديم التحفظ، لا سيما منهم من تقدم فرصة الاحتلال والمحتلين في العراق،، ويأتون باعراض لحياتهم لا تصدر عن ابسط العوائل الكريمة...
المتأمل المصعوق إذ يتذكر أن العراق كهدف للأطماع والغزوات والاحتلالات، فانه الأقل مقاومة وتصديا للغازي والمحتل،، وشاعت في السنوات الأخيرة بين العراقيين المقارنات، في مجال عمق الشعور الوطني مع الشعوب الأخرى، ومنها الشعب المصري ومدى الفرق بين درجات حرارة تلك المشاعر... وان شعبا متماسكا وعميق الانتماء لوطنه وناسه لا يمكن أن تحدث فيه من المفاسد والنهب والظلم والجور والابتزاز ولكل هذه السنوات... وحتى احتجاجاته وتظاهراته بحاجة الى جرأة في التعليل والكشف.. وان كانت تتضمن حيويته العميقة حتى لأولئك المصابين بنقص ولادي بالانتماء للعراق...
مصير الحقيقة التكشف والظهور، وان ما جرى منذ الاحتلال سيتكشف حتى بتفاصيله ودقائقه... ومنها أن يتأكد نقص أصل وانتماء وضمير أولئك الذين ابتزوا العوائل الكريمة وحولوها من اليسر إلى الإدقاع والبؤس... وأماتوا وجوهها قهرا وذلا وكمدا... فلا كريم ولا أصيل ولا بذات اجتماعية وورع ديني وثوابت أخلاقية ووطنية ويجور ويظلم ويسرق مواطنه ووطنه...  
انتفاضة اليوم هي على ما فعله وأوقعه بالعراق أولئك الذين تنقصهم الروح العراقية، تنقصهم مشاعر الانتماء الوطني... ومن وجدوا في العراق فرصة للعمل والإثراء والتسلط ... وان كانوا بوجوه ونيات وتوجهات سافرة ومكشوفة منذ لحظة الاحتلال الأولى بحواسمهم وتأسيسهم للفرقة وإقامة الجدران وعزمهم على نهب العراق بأعماقه الأرضية والسماوية...
العراق أمام مصيره وقدره، وان ما عصف به ووضعه أمام دهشة وعطف العالم قد يوقظ عقولا وقلوبا وضمائر ويضع الدواخل والنيات أمام العيان وتبدأ المراجعات والتصحيحات والعلاجات لينطلق بعزم نحو المستقبل ويعثر على نفسه ويغدو قبلة للعالم... فهل هي أحلام وتمنيات اليائس والمذعور من نهاية لم تعرفها البشرية، أم هي من دروس الشعوب الحية التي هي عرضة لأمراض كبيرة ولصحوات وانبعاثات وولادات اكبر...