غدا تبدأ الهجرة المعاكسة




العديد من بلدان القارة الأوروبية شهد في العقود الأخيرة تحولات اساسية ذات علاقة بالموقف من حقوق الإنسان وحرية التعبير وقيم التحرر حتى كدنا نعتقد بأن هذه القارة المتحررة الديمقراطية المتجددة ليست هي نفسها القارة التي كانت قد ساهمت بإستعباد الناس والشعوب والأوطان على إمتداد المعمورة ولقرون طويلة.
إن أهم ما حظيت به تلك البلدان هو صعود حكومات إستحقت التوصيف على أنها ذات طابع تقدمي ليبرالي بينما شهد العديد منها تراجع أكيد لهيمنة قوى اليمين والعنصرية. ويمكن الإشارة إلى ان قضية الهجرة والمهاجرين كانت إحتلت أمكنة متقدمة في برامج الصراع بين تلك القوى, وصار للموقف الإيجابي من هذه القضية أثرا في تعزيز جبهة الحركات المعادية للعنصرية بينما تراجعت مكانة الأحزاب والحركات المعادية لقضايا الهجرة والمهاجرين.
في المرحلة الحالية بدأت الأمور تسير بإتجاه عكسي فثمة تحفظ كبير على قضية الهجرة والمهاجرين بدأ يتراكم بإتجاه سلبي بحيث أن الأحزاب التي إستثمرت موقفها الإيجابي من هذه القضية بدأت تواجه موقفا صعبا, وهذا الأمر ربما سيؤدي في القريب العاجل إلى تحول خطير في المزاج الشعبي الأوروبي قد ينتج منه تراجع ينال من حزمة الأفكار والبرامج الإنسانية اللبرالية التي شهدت رواجا لها بين صفوف العامة, اي ان المجتمع الأوروبي بدأ يشهد عودة ملحوظة إلى أفكار يمينية ذات منحى عنصري. 
ثمة اسباب مركبة ومتداخلة أدت إلى ذلكلعل الأخطر منها تزايد عدد المهاجرين من حاملي الثقافة الإسلاموية المتفارقة اصلا مع البنية الفكرية والسلوكية لتلك المجتمعات. 
لقد كانت الهجرات العربية السابقة خاصة بالبحث عن فرص عمل افضل, اما الهجرات الحالية فهي هجرات سياسية بإمتياز حيث حمل المهاجرون معهم كثيرا من أمراض مجتمعاتهم مما أدى إلى بروز ظواهر إجتماعية وثقافية مدانة أدت بدورها إلى عودة محققة لثقافات عنصرية معادية بدأت تأخذ منحى الكراهية الواضحة للمهاجرين وللمجتمعات التي أتوا منها 
في دول أوروبية متعددة صارت هناك خشية حقيقية على النسيج والثقافة الإجتماعية أدت بدورها إلى عودة واضحة لثقافات وسياسات عنصرية واضحة باتت تبشر بشكل جلي بعودة ثقافة الكراهية لكل ما هو عربي وإسلامي, وهكذا يكون المهاجرون هم العربة التي تركبها قوى (اليمين العنصري) نحو عودة هيمنتها على الحياة السياسية في أوروبا. لكن من الحق التساؤل هل صحيح ان ما يحدث في المجتمعات الأوروبية هو عودة حقيقية عن الثقاقة اللبرالية اليسارية إلى الثقافة العنصرية أم أن علينا أن نحسبها كمحاولات طبيعية تأتي من باب الحفاظ على الذات التي باتت تهددها ثقافة متخلفة واضحة هي في حقيقتها إمتداد أكيد لثقافة عنصرية إسلاموية متخلفة حملها معظم المهاجرين معهم دون أن يبدوا إستعدادا كافيا للتخلي عنها ودون أن يتحركوا بإتجاه الإندماج مع مجتمعاتهم الجديدة.
إن تشريحا لمجتمعات المهاجرين تؤكد على أن نسبة كبيرة من هذه المجتمعات باتت مؤلفة من المسلمين والعرب. وليس الرقم هو الدافع الحقيقي وراء الحركة المعادية للهجرة التي تتخذ شكل المعاداة الحقيقية للعناصر العربية والإسلامية أكثر من إمتدادها الضدي إلى عناصر أخرى بل انه التناقض الهوياتي الثقافي هو الذي جعل الحكاية تبدو معكوسة تماما بحيث بات سهلا أن يحسب الإرتداد العنصري واليميني على ثقافة المهاجرين بدلا من أن نحسبها على المجتمعات المضيفة. 
هذه الظاهرة نستطيع أن نلمس بكل سهولة علاقتها اللصيقة بمجتمعات العرب والمسلمين وليس بغيرها من القوميات والأديان المهاجرة الأخرى. إن المهاجرين من المجتمعات الهندية والصينية واللاتينية والروسية, بوذية ومسيحية ويهودية وحتى ملحدة, هي أكثر إستعدادا لحالات الإندماج والتآخي مع المجتمعات الأوروبية, أما المجتمعات الإسلاموية فهي التي لا ترفض الإندماج أو التعايش فحسب وإنما تثير أيضا إشكالية التناقض والتباين والإنعزالية الواضحة حتى في حالتها الأخف تضادا.
اليوم أو في الغد القريب سيواجه المهاجرون محنة تجعلهم في مرمى الكراهية فلا هم من أوطانهم القديمة ولا هم من أوطانهم الجديدة.
إن المثقفين بين صفوف المهاجرين مطالبون بالوقوف الجدي امام هذه الإشكالية لغرض أن لا يخسروا المشيتين فيركبوا البحر مرة أخرى.