عن أسباب إنخفاض أسعار النفط ، وأسماء الفاسدين في ملف الجلبي وأشياء أخرى

 

لست خبيراً إقتصادياً ولا علم لي بشؤون النفط وتعقيداته لكني أحاول الوصول الى فهم معقول لماذا إنخفضت إسعار النفط الى هذا الحد رغم وجود ثلاثة حروب منهكة في منطقة الشرق الأوسط والتي يفترض أنها تشعل الأسعار لا تخفّضها.
نشرتُ في نهاية العام ٢٠١٤ موضوعاً مأخوذاً من مجلة الفورن بوليسي الأمريكية فحواه أن هناك إتفاقاً نفطياً جديدا بين السعودية وأمريكا على أن تغرق السعودية السوق النفطية وتغطي أي عجز يحصل فيه خلال فترة الحرب "العالمية" على داعش. هذا الأمر يراه البعض إتفاقاً سياسياً لضرب محور روسيا - إيران والإضرار بإقتصادهما ، في حين يراه آخرون أنها مناورة ستراتيجية سعودية للوقوف ضد شركات النفط الصخري وجعل كلفة إستخراج برميل النفط الصخري أعلى من سعره في السوق مما تضطر تلك الشركات الى فسخ عقودها وإنهاء عملها فتعود الفائدة لنفط الشرق الأوسط بالنهاية ، ولهذا السبب تصر السعودية على إغراق السوق رغم أنها تتضرر إقتصادياً يوماً بعد يوم أيضاً. كلا الرأيين منطقيان ، هي ضربة إقتصادية لشركات النفط الصخري وضربة سياسية لمحور روسيا - إيران في نفس الوقت.

نرجع الى التحذير من الازمة الاقتصادية ، على حدود علمي ، لست أنا فقط مَن نشرت عن هذا الموضوع في الفيسبوك نهاية عام ٢٠١٤، بل نشر في تلك الفترة عدد من الأصدقاء الناشطين أيضاً وحذروا فيها الحكومة العراقية من المشكلة النفطية القادمة بالإعتماد على ما تنشره الصحف الغربية لكن للأسف الشديد لم يهتم "خبراء" العراق النفطيون وسياسيوه لمثل هذه التحذيرات الغربية ، بل حتى بعض الأصدقاء في الفيسبوك صار يشكك بمثل هذا الكلام ويقول أنها فورة وقتية وستصعد الاسعار مجددا. أتذكر أنني قبل عام تداخلت مع شخصية إقتصادية محترمة على صفحة صديق مشترك بيننا وقلت له في هذه المرة الأمر مختلف وستكون الضربة مدمرة لإقتصاد العراق لكنه كان يعتقد عكس هذا.

يؤسفني أن عقلين إقتصاديين مهمين في العراق وهما المرحوم الدكتور احمد الجلبي والدكتور عادل عبد المهدي (رغم أنهما ليسا خبيرين نفطيين لكنهما خبيران إقتصاديان) ، يؤسفني أنهما لم يتخذا التدابير المناسبة للحد من تداعيات مشكلة هبوط اسعار النفط وإعلان حالة الإنذار المبكر للحكومة العراقية ومصارحة الشعب العراقي في هذا. إن كان الجلبي ليس ذا منصب حكومي وقتها فعبد المهدي وزير للنفط. عرفت فيما بعد أن الجلبي إستشعر الخطر مبكراً وعرف أن هناك أزمة فعلية تلوح في الأفق لكنه كان يحترم عقلية عبد المهدي كثيراً والذي كان يصر على أن اسعار النفط سترتفع مجددا قريبا جداً ، لهذا ذهب الجلبي مع عبد المهدي في هذا الاتجاه. بالمناسبة حتى هذه اللحظة يصر عبد المهدي أن الاسعار سترتفع قريبا وربما في غضون سنة واحدة بناءً على معطيات (محترمة أيضاً) سأتحدث عنها في هذا المنشور.

يوم أمس عقد المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في الدوحة (الذي يعمل فيه الباحث العراقي الصديق الدكتور حيدر سعيد) ندوة مهمة لمناقشة قضية إنخفاض أسعار النفط وحضرها خبراء ووزراء نفط سابقون من دول عربية مختلفة. كنت مهتماً جداً بهذه الندوة لمعرفة ما الاسباب الحقيقة لتدهور أسعار النفط في هذا الظرف بالذات ، فطلبت من أخي الدكتور حيدر أن يطلعني على نبذة مختصرة عن نتائج الندوة وهذا ما كتبه لي:

الخلاصة العامة لندوة النفط لا تبتعد عن تفسيراتنا العامة. بمنطق السوق هناك "تخمة نفطية" وفائض في العرض يقدر بين ٧٠٠ الف الى مليوني برميل. هذه التخمة ناتجة عن إغراق السعودية السوق ب ١٠ ملايين برميل يومياً بغض النظر عن موافقة أوبك أو عدم موافقتها وبغض النظر عن إنحدار قيمة أوبك (فهي لا تشكل الآن سوى ٣٠٪ من السوق النفطية ، في حين كانت تشكل في الثمانينيات ٦٠٪). يرى الخبراء أن أوبك تركز الآن على ضمان الحصص بدلاً من تركيزها على ضمان الأسعار ، وهناك توجه عام الى إعتبار أن هذه "التخمة" وراءها أسباب سياسية ، وهي رغبة بعض الدول المنتجة للنفط بمواجهة النفط الصخري في أمريكا والنفط الرملي في كندا ، مع أن هناك مَن ذهب الى القول صراحةً في الندوة أنها ضربة لمحور روسيا - إيران من قبل هذه الدول المنتجة. البعض قال أن أمريكا ستتحول من المستهلك الأول للنفط الى المنتج الأول له.

أرقام : الولايات المتحدة تنتج ٤ ملايين برميل يومياً من النفط الصخري ومع ذلك ، هي لاتزال تستورد ٦ ملايين ونصف المليون برميل. يضيف الخبراء كذلك أن عامل تباطؤ النمو الإقتصادي في آسيا والصين تحديداً أثّر أيضاً على أسعار النفط. 
كان الكل يلمّح الى السعودية (من دون أن يسمّوها) بوصفها السبب في إنخفاض الاسعار. قال الخبراء أيضاً أن التاريخ يكرر نفسه ، إذ في سنة ١٩٨٣ إرتفعت أسعار النفط الى ٣٦ دولاراً (السعر الرسمي) وكانت الدول المنتجة تبيع البرميل ب ٤٤ دولاراً ، فأدى هذا الى تطوير نفط الشمال في دولة قطر ورفع جدواه الإقتصادي طالما كانت كلفة إستخراج النفط هناك عالية. نمو نفط الشمال خدم القطريين كثيراً في أوبك فقرروا خفض الأسعار الى ٢٦ دولاراً من خلال إغراق السوق حتى وصل الفائض النفطي وقتها الى ١٠ ملايين برميل يومياً ، لكن بعدها صارت جميع الدول المنتجة تبكي لأن سعر البرميل إنخفض الى ١٠ دولارات دون أن تقصد قطر ذلك. بحسب ما يراه الخبراء ، الأمر يتكرر حرفياً الآن. 
هناك خشية عامة من أن خفض الإنتاج قد لا يؤدي الى إرتفاع الأسعار ، لأن الدول خارج أوبك قد تستغل هذا فتعوّض هي النقص ، لذلك لابد من التفاهم مع الدول خارج أوبك ولاسيما البرازيل والمكسيك والنرويج والاتفاق على سعر ثابت مرة أخرى.
إنتهى كلام الدكتور حيدر.

على ضوء هذه المشكلة الاقتصادية التي يبدو لا حل لها قريباً ، العراق بين ثلاثة إجراءات لا رابع لها ، إما أولاً ان يذهب العراق بإتجاه الاستدانة من صندوق النقد الدولي وهو أمر منهك ومدمر لإقتصاد العراق على المستقبل المنظور (والبعيد أيضاً) لان النقد الدولي سيفرض إشتراطاته وإملاءاته على البلد ، أو ثانياً يذهب مع خطة الراحل احمد الجلبي في رهن النفط لمدة معينة لقاء مبالغ نقدية يأخذها العراق مقدماً مع مراجعة جولات التراخيض والتفاوض مع الشركات على ضوء مستجدات الاسعار الجديدة ، أو ثالثاً الذهاب مع فكرة عبد المهدي في فرض "تقشف قاسي" على الجميع وزيادة الضرائب وعتق رقبة الدولة من أشياء مرهقة إقتصادياً مثل البطاقة التموينية وغيرها. عبد المهدي يعتقد أن هذه إجراءات وقتية لأنه يرى أن أسعار النفط سترتفع مجددا قريبا. يعتقد أن شركات النفط الصخري لن تقاوم أكثر من سنة واحدة لأن ما تستخرجه الآن بالكاد يسد تكلفته. 
ما لم يفهم ويستوعب العراقيون أهمية الخطتين الأخيرتين ، ستضطر الحكومة الى الاستدانة من النقد الدولي وحين ينهار إقتصاد البلد نهائياً وتصير الفوضى بسبب إجراءات النقد الدولي ، سوف لن يتضرر أحد سوى الشعب العراقي نفسه طالما السياسي قد أمّن حاله وحال عائلته جيداً في الخارج.

على عبد المهدي (بوصفه وزيرا للنفط) وحكومة العبادي البدء بخطة طوارئ عاجلة ووضع خلية أزمة إقتصادية تتألف من خبراء عراقيين معروفين ، نفطيين وإقتصاديين ، أمثال ثامر الغضبان ووليد خدوري وعصام الجلبي وابراهيم بحر العلوم وسنان الشبيبي ومظهر محمد صالح وسردار أحمد وحامد دلي وغيرهم ، وإلّا لن يعذر أحد هذه الحكومة فيما لو تداعى العراق الى الهاوية الإقتصادية. لا نريد البكاء على عقلية عبد المهدي بعد وفاته (مثلما نبكي على عقلية الجلبي اليوم) ، نريده أن يكون جريئاً وشجاعاً ويرينا خططه الآن في حياته وإلّا التحجج بعدم إعطائه الفرص لن يشفع له مستقبلاً. ما وصلت اليه ماليزيا اليوم هو بسبب قائد واحد شجاع وهو مهاتير محمد الذي شتمه الماليزيون أثناء خططه للتنمية لكنهم إكتشفوا عبقريته بعد أن أصبحت ماليزيا واحدة من الدول المتقدمة وإنتقلت بشكل كامل من دولة مديونة الى دولة دائنة.

أخيراً ، شيء سريع عن ملفات الفساد الخطيرة التي قدمها الجلبي لمؤسسة المدى. هذا الرابط لموقع وكالة النخيل للأنباء وهي تنشر الوجبة الأولى من أسماء مسؤولين فاسدين كبار على لسان الجلبي بتاريخ ٢١ / ٩ ، أي قبل شهرين من وفاته تقريباً ومع ذلك لم تكن هناك متابعة لهذه الامور. إطّلعوا على الاسماء الموجودة في اللستة ، هي أسماء مهمة وخطرة ولا أدري ما مصداقية الوكالة بصراحة لكني أسأل لِمَ لم ينف أو يدافع أصحاب هذه الاسماء عن أنفسهم أزاء إتهامات الجلبي الخطيرة لهم؟ يقال أن ملف فساد مزاد العملة للبنك المركزي العراقي وملفات فساد أخرى طالت أشخاص كبار في الدولة (بمن فيهم العبادي نفسه الذي كان رئيساً للجنة المالية في مجلس النواب أثناء رئاسة المالكي للوزراء) قد أعطاها الجلبي لوسائل إعلام مختلفة ، أجنبية ومحلية ، إضافة الى صحيفة المدى ، بعد أن يئس من تحرّك الحكومة تجاه هذا الامر. ثمّة مَن يقول أنه أعطى هذه الملفات لمرجعية السيد السيستاني أيضاً لغرض إطلاعه عليها قبل أن يباشر بنشرها علناً قبل وفاته.