صرخات أرخميدس

 

 حين تسمع دقات قلبك من جهاز فحص الطبيب وأنت مستلقٍ على سريرٍ التشخيص تدرك على الفور إن هذا الطبال السافل، وأقصد القلب، ما يزال ينبض ويضخ ويدوي بلا هوادة، ولا استراحة، فالقلب مثل الناعور يصعد وينزل ويعمل ليل نهار، والقلب دليل وشاهد وبرهان وتصفيق، ترى لماذا تذكرت كلمة تصفيق، أنها ذكرتني في أيام الشباب وعلى مقاعد الدراسة المتوسطة حين سأل مدرس اللغة العربية: أين يقع مركز الحب في جسم الإنسان في الرأس أم في القلب؟

أجبته دون استئذان: في القلب يا أستاذ!.

قال المدرس: كيف تثبت ذلك يا ولد؟

قلت له: حين أرى حبيبتي يا أستاذ فأن قلبي يدق ويسرع بالضرب والهيجان، كأنه رقاص يركض ويفحط بالنبض مثل عداء مسافات سريعة. فلو كان مركز الحب في الرأس وقام بنفس حركة القلب لقال الناس هذا مشلول بل مجنون!

صفق المدرس وضحك الطلبة، وأنا خجلت من صدقي!

سنوات طويلة مرتْ على اضطراب قلبي الصغير، وهرمتْ تلك المرأة التي كان القلب يرقص لها فرحاً، سنوات تعظني، وتعظ ما في القلب من ذكرى،

بل توجعني بالحسرة حينما كنت أنتظر الحبيبة عند باب المدرسة، كنت أرى الصفوف مثل بساتين كرز تطعمني ابتسامات صادقة لا تفارق خيالي،

وأنا أمعن النظر في صورة الحبيبة في كتبي ودفاتري وعلى الجدران وفي السماء وفي صمتي الذي يفضحني في العيون. لا أدري لماذا تنزل دمعة كبيرة حين نفرش قلوبنا الطرية للتذكار؟، يبدو أن للعين علاقة قوية بالقلب، ربما لأنها صداقة قديمة، وربما عشرِة عمر بدأتْ تتهدد بالنسيان.

هكذا هي القلوب علامات ودلالات وتقلصات وايماءات تتلوى على صدى التذكار وتنعشها صور كثيرة في البوم الذكريات وموسيقى ناعمة تأتي من المدى البعيد ولا تحدها أسوار تخترق جدار القفص الصدري بضمانة الوجد،

فثمة قلوب رقيقة لا تتحمل الوجع، قلوب مثل بيوت العناكب، وأكثر رقة في الحنين والعذوبة التي تلمع على جداول الدورة الدموية الصغرى والكبرى، وتلتقي مثل السواقي في نهر الحياة.

قال الطبيب بعد ان اعتدلت بحزن وخوف فوق سرير الفحص: قلبك سليم يا رجل، والغصة التي تقلقك تشبه دلال وغنج العجائز، لكنه يحتاج الى راحة وعليك الاعتناء به. قلت: وكيف أعتني به يا دكتور وهو يدق غصباً عني!  ضحك الطبيب وقال: لكي تديم هذه المضخة الذهبية عليك أن تزيتها وتديمها بالعشق والغرام، ولا يوجد علاج غير ذلك! فنهضت من  فوق سرير التشخيص فرحاً، وأنا أصيح بأعلى صوتي (وجدتها، وجدتها) مثل صرخات العم أرخميدس.