ثقوب سوداء في العقل الغربي.. خرافات غربية

بعيدا عن شرح المقصود حرفيا بالدول والشعوب والحضارة او الثقافة الغربية وخصائصها واختلافها عن باقي او عما لباقي شعوب هذه الارض, وهي اختلافات اخذة بالتناقص والتداخل والتماهي والانحلال على اي حال, الا ان المصطلح بعمومه يخص الاوروبيين بالذات والدول والشعوب المنحدرين منهم. واول ما يخطر بالبال ربما عند ذكر الغربيين هو تفكيرهم المادي العقلاني بمعظم الامور, مقارنة بالتفكير (الروحاني) او غير المادي المفترض لباقي الامم. ومع ان الخرافة والوهم والخزعبلات واللاعقلانيات غير متوقعة من هذه الشعوب الراسمالية المتحررة المتعقلة المتعلمة لكنها بالواقع منتشرة بنفس صورها وضراوتها او بصور مختلفة في عموم الغربيين. وساحاول هنا تعداد اهمها سريعا.
 
حرق جثث الموتى: برايي ان السلوك اللاعقلاني الاخطر فداحة عند الغرب هو قيام اعداد كبيرة منهم وبحجة ( التحضر والصحة العامة) بحرق جثث موتاهم بدلا من دفنها, وذلك في محارق نارية تصل حرارتها الى 1000 درجة مئوية موجودة بكل المدافن تقريبا ليتبقى منها بعض الرماد الذي ينثر بنهر او بارك او بحر, او ليحتفظ به في جرة خاصة كذكرى عن الفقيد. والحرق سلوك مارسه الانسان ربما منذ 20 الف سنة حتى جاء البابليون والفراعنة فحرموه, وكذلك فعل المجوس (تقديسا للنار من ان تلوث ببشر) فالمسيحيين والمسلمين. وفي سياق انقلابهم على الكنيسة وكل ما تمثله, قام الغربيون بدعوى التحضر والعلمانية قبل حوالي 150 سنة بتبني الحرق بل واعتبروه مخطئين انه اكثر ملائمة للبيئة وصحة المجتمع. ويبدو ان هذه الخرافة توارثوها من اجدادهم الرومان والاغريق, مثلها مثل معظم باقي خرافاتهم المعاصرة, وليس من الهند والشرق كما قد يخطر لاول وهلة. ومشكلة الحرق في عصر العلم هذا انه ينهي كل اثر بيولوجي \ جيني للاموات, داخل عظام المتوفى المدفونة والتي تحفظها لمئات السنين, والتي بلا ادنى ذرة شك سنحتاجها قريبا خلال عقود لاغراض بحثية وطبية وعلاجية وتطورية. ومع ان الغربيين يقدسون كتب المتوفي ويتوارثونها باعتزاز وبالتاكيد لا يحرقونها لكنهم يحرقون الكتاب الاهم والاوجب حفظا وتقديسا ودفنا وهو الجثة والعظام. ومن النادر ان ترى في الغرب منتقدين حقيقيين لهذه الظاهرة اللاعلمية بصورة صارخة او لغيرها.
 
تكرار الاسماء: مع كل التقدم الفكري والتكنولوجي والابداعي للغرب لكنهم لازالوا محبوسين بنفس الاسماء منذ مئات السنين وعاجزين عن ابتكار اسماء جديدة لمواليدهم الذكور والاناث. وهي ظاهرة سهلة التمييز بكل المجتمعات الغربية مع انها غير مطروقة. اسم الانسان في الغرب هو عموما من مقطعين: الاسم الاول والاسم الاخير اواللقب. وهذا بحد ذاته لايناسب العصر وتكاثر السكان, لكنهم انتبهوا له مؤخرا فبدؤا باضافة اسم وسطي احيانا للتفريق بين السميين. وعلى العكس من مجتمعاتنا العربية \ الشرقية حيث الاسم الاول اكثر اهمية من باقي الاسماء وعلى اساسه يرتب ويصنف الطلاب والجنود وغيرهم ابجديا, فان الغربيين يتخذون الاسم الاخير اساسا للترتيب. وهناك حوالي 3 مليون امريكي تحت اسم سميث Smith و 2 مليون جونسون Johnson يليهما ويليامز وجونز وبراون. ومع ان مشكلتهم مع الاسماء اقل خطورة من بعض دول الشرق ( ففي الصين 92 مليون ذكر لهم واحدا من 3 أسماء فقط, ونصف شعب فيتنام بأسمين فقط) لكنها تظل مشكلة لاتناسب العصر وغير مقبولة بهذه الحدة والانتشار بين الغربيين. كما ان من المؤسف ان يعجز الاباء حتى باكثر المجتمعات تقدما عن اختيار اسم مميز وفريد لابنائهم ويكرروا ما توارثوه. والان صار المهاجرون الى الغرب يوسعون مدى الاسماء المتداولة في المجتمع اكثر مما يستنبطه الغربيون انفسهم من اسماء. اما تغيير لقب الزوجة الى لقب زوجها المتعارف عليه في الغرب ففيه من الاساءة للمرأة واقلالا من قيمتها (وصعوبة في البحث عن سيدة او صديقة قديمة) ما يسترعي دق اجراس الانذار عند كل الحركات النسائية الغربية الرائدة بكل شيء الا في هذا الامر.
 
التدين والاساطير والخيال والخرافة: ان معظم الشعوب الغربية اقل تدينا بكثير من باقي شعوب العالم لكن النفس الديني الاسطوري لازال متغلغلا ومتجذرا بمدارسهم ومؤسساتهم وسلوكهم. ومع ان الدين المسيحي باطيافه هو السائد عندهم لكنه مطعم طقوسيا ونظريا بالكثير من رواسب روما واثينا وخزعبلاتهما, لكنه يظل دينا شرقيا مهما جملته. واكبر خدعة يعيشها الغرب ويدافع عنها بحماسة هو ايمانهم بان الدين المسيحي هو ناتج حضاري غربي وارقى من باقي الاديان واقربها لطبيعة البشر المعاصر بينما هو من الديانات التي ابتكرها الشرق اوسطيون وتخلوا معظمهم عنه باتجاه الاسلام. ويتم تلقين كل الطلاب ومن كل الاصول حتى باكثر المدارس علمانية في بريطانيا وفرنسا والسويد مثلا بقصص ولادة المسيح ورحلته وصلبه وينشدون عنه بل ويمثلون كل ذلك ( بالدشداشة والعقال العربي المكروهان عكس ذلك في الشارع) بمشاركة الطلاب على المسارح المدرسية اكثر من مرة بالسنة.  ويدهشك الكم الهائل من الافلام والروايات الخيالية والاقبال عليها في مجتمعات يفترض انها اكثر واقعية من غيرها وتعيش جنتها على الارض ولا تقبل بكلام العجائز كما يسمونه ولا بالابطال الاسطوريين غير الحقيقيين . فكل فلم هوليوودي ان لم يذكر صراحة بمقدمته انه قصة حقيقية, فهو من وحي ونسج الخيال. وكذلك الروايات والمسرحيات وكل قصص الاطفال وسوبرمان وسبايدرمان ومئات غيرهم. وبالاضافة لاسماء الافراد انفسهم القادمة من الاساطير والالهة المندثرة نرى الشركات التجارية الكبرى المشهورة تحذو نفس الحذو في اسمائها مثل: Nike و Amazon و Olympus. ويمكن بهذا العنوان اضافة انتشار وتغلغل نظرية المؤامرة ودور الكنيسة والبابا والفاتيكان الايجابي او السلبي المبالغ به, حاضرا وماضيا, كجزء من الخرافات والخزعبلات المباشرة او المضادة التي يتبناها الغربيون بكثرة في حياتهم. ومنه ايضا التشاؤم من الرقم 13 باي مجال ومن يوم الجمعة اذا صادف تاريخه مع هذا العدد, ومن مرور القطة السوداء امامهم. والتفاؤل بالارقام والتواريخ والاعداد الزوجية والمكررة, والكثير من الامور الشبيهة, وكل ذلك لاعلاقة له بالعلم والمنطق ولا بالتفكير السليم.
 
الحمام والتواليت والغسل: من اكثر السلوكيات اللاعقلانية وغير الصحية والمقرفة احيانا المنتشرة بكثرة في الغرب بشكل يفوق التصور بل ويدافعون عنها باستماتة باعتبارها من ارقى السلوكيات واهذبها مع انها بعيدة جدا عن اي مفهوم للصحة والنظافة واقرب للعناد الشوفيني اللامنطقي المدافع عن اخر بقايا ارثهم وتمايزهم عن كل باقي الشعوب, هو سلوكهم المائي التنظيفي. الصحون تجلى وتغسل من بقايا الطعام يدويا بنفس الحوض في المطبخ بدون امرار الماء عليها ثانية. ’لكننا نجففها بمنشفة!’ وكان ذلك يعقمها!! ونفس الشيء في الحمام عند غسل الوجه وحلاقته وتفريش الاسنان في الصباح. بحوض المغسلة بعد ملئه بالماء لمرة واحدة. ونفس الشيء في البانيو. وفي بريطانيا مثلا اتوقع ان 90% من حمامات وتواليتات ومطابخ بيوتهم تفرش ارضيتها بالكاربت القماشي او السجاد. نفس كاربت غرفة النوم. فاعتقادهم الخاطئ هو ان قمة التهذيب والارستقراطية ان تستعمل التواليت والمغسلة والبانيو والشاور بدون ان تطفر منك قطرة ماء الى ارض الحمام! وان تسير حافيا من سريرك الى الحمام عائدا الى سريرك بدون الحاجة لملامسة ارضية مكشوفة غير مبطنة. انا شخصيا عشت هذا الكابوس لسنوات في بيتي بلندن حتى جاء احد اخوتي من العراق وقام مشكورا بتمزيق كل كاربت الحمامات والتواليت ليكشف عن ارضيته البلاطية الجميلة. بعد ان كان قد اشبعني نقدا ونكاتا لايام قبل ذلك. ومع ان الغربيين اتحفوا العالم وطوروا الصحة العامة لعموم البشرية باختراعهم للتواليت المقعدي ذي التصريف المائي الحلزوني الذي يمنع رجوع الغازات والحشرات قبل حوالي 250 سنة, الا انهم حتى الان لم يتعلموا بعد كيفية غسل المنطقة بعد التبرز! ولازالوا يعتمدون الاسلوب الصيني البدائي في المسح فقط بورق التواليت المعروف. بدون اي بدائل او استعمالات مائية ولا حتى الورق المبلل. في حين ان النصيحة المعترف بها عالميا من قبل كل خبراء الصحة العامة هو الغسل بالماء والتنشيف بالمناديل الناعمة. ويتحجج الغربيون باطلا بانهم في كل صباح سيأخذون شاور \ او دوش \ او بانيو وينظفون انفسهم بالنهاية قبل الخروج من البيت! بينما النصيحة الصحية المعتمدة هي الاستحمام اليومي في الليل وليس الصباح. وكلما اقتربنا من جنوب اوروبا كاسبانيا وايطاليا والبرتغال يظهر اثر الماء والابريق والشطافة في التواليت, كدليل على تدرج الثقافة جغرافيا. بينما تنعدم كل مظاهره في شمال وغرب اوروبا.
 
ان تبريراتهم المقدمة تسقط امام اي اختبار علمي وطبي ومنطقي, مثلها مثل كل التبريرات التي تقدم للدفاع عن الخرافات والخزعبلات واللاعقلانيات في الغرب وفي كل انحاء العالم. فالتمسك بالتراث مع عيوبه صار من مظاهر حفظ الثقافة والتمايز والتفاخر الوطني والعرقي فضلا عن استسهاله واستمزاجه من الطبقة العليا ومن الطبقة الدنيا غير المتنورة لتقع بحبائله الطبقة الوسطى المثقفة من باب: هذا ما وجدنا عليه اباءنا واجدادنا وعموم شعبنا.. ان العقل السليم الكامل لايستحمل بقعا سوداء في ثناياه.. وتكفي بقعة خرافية غامقة واحدة لافساد كل التفكير حاضرا او مستقبلا.