الكابينة

لم يعد يشغل الناس أمراً أكثر أهمية من الحديث عن (الكابينة) حتى أصبحت حديث المجالس العامة والخاصة وحديث العوائل في البيوت حتى أمام المسجد تكلم عنها ولم يبقى صغيراً ولا كبيراً عالماً أو جاهلاً إلا واسهب في الحديث عن (الكابينة) وضرورة تغيرها و أصبحت (الكابينة) الشغل الشاغل للجميع!
أرهق (الأستاذ غسان) نفسه كثيراً وهو يشرح لكل أهل الحي خطورة الأمر وتأثيره على كل شيء جميل في حياتهم ومن الظروري جداً التفكير الجدي بتبديل (الكابينة) بكابينة جديدة بديلة ولا حل غير ذلك ! مقترحاً أكثر من كابينة متوسلاً بحرارة يستجدي إقناعهم بأهمية وظرورة وحتمية تغيير (الكابينة القديمة) ولا حل سوى ذلك وما عدى ذلك فهي حلول ترقيعية !
ـــ (الكابينة) الحالية لم تعد صالحة ولا يمكن القبول بها ومن الظروري تبديلها (بكابينة) جديدة ومن الخطاء المعيب أن نسمي هذا الشيء المسخ المقزز المتهرء (كابينة) و رائحتها تزكم الأنوف وأضرارها لا يمكن أحصائها وسلبياتها أكثر من إيجابياتها فكل ما فيها خطاء وبقائها معيب وقد يجلب الكوارث لابد من إصلاح هذا الخلل وإنهاء هذا الوضع الغير إنساني أنا أستغرب تمسككم بما تسمونه (كابينة) فهي ليست (كابينة) ولاتمتلك أي مواصفة من المواصفات العلمية (للكابينات) الحديثة.
لكن الناس كانوا منقسمين هناك من كان يؤيد (أستاذ غسان) ومنهم معارض ومنهم حيادي في (قضية الكابينة) ؛ لكن حتى من كان يؤيده كان متحفظاً ومتردداً فالسيد (مدحت) كان أقرب الناس إليه لكنه كان يقول دائماً
ــ نعم (الكابينة) غير صالحة تماماً ولم تعد نافعة ولابد من إستبدالها بأخرى جديدة مناسبة لكن تلك ليست مهمتنا بل هي مسؤولية الدولة و واجبها ونحن قمنا بابلاغ المسؤولين عن مشكلة (الكابينة) وتكلمنا كثيراً عن عيوبها ومساوئها و وعدنا المسؤلون خيراً ونحن بإنتظار (تغييرالكابينة).
قاطع الحاج طلعت (السيد مدحت) بحماس قائلاً :
ـ بالضبط هذا دور الدولة لابد من قيامها بذلك ولقد قمنا نحن بدورنا وقدمنا أكثر من طلب شرحنا به وضع (الكابينة) البائس و وعدونا خيراً ودعونا ننتظر لنرى ماذا يفعلون ؟!
إلا أن السيد (سبع) قال متذمراً من كل هذا الكلام :
ـــ لا أدري سر كل هذا الأنزعاج من هذه الكابينة وأهتمامكم الغريب بها ؟! أتركوها ولا تفكرو بها وهي كما تقولون متهرئة وغير قابلة للبقاء وستسقط اليوم أوغداً من تلقاء نفسها عندها نفكر بالبدائل المتاحة.
إلا أن (الأستاذ غسان)لم يحتمل هذه الا مبالات السلبية فقاطعه بغضب !
ــ كيف لا ننزعج وروائح (الكابينة) العفنة التي غمرت المنطقة كلها واصبحت مرتعاً للكلاب السائبة والذباب وكل انواع الحشرات الضارة والجراثيم وهي ملوثة للبيئة وتهدد مستقبل أطفالنا لعلك يا أستاذ (سبع) بعيداً عن (الكابينة) ولا تتاثر بنتائجها السلبية ولا يهمك شئنها إنها فضيحة بمعنى الكلمة و لم نعد نطيقها ولا نطيق روائحها النتنة وفسادها وأضرارها الكارثية ولم نعد نصبر علىإهمال الحكومة لمطالبنا القانونية .
إلا أن (العم سامي) حسم الامر بطريقته الخاصة وهو يفرك كفيه بمكر متعجباً من طريقة تفكيرهم وعصبيتهم وتشنجهم الغير حضاري
ــ علام أنتم حائرون متعصبون وحل كل ذلك عندي؟! . أنا أستطيع أن أوفر لكم (كابينة الكترونية) حديثة (فل أوتوماتيك) جميلة جداً وبأحدث طراز تحل كل هذه المشاكل ولكنها طبعاً لها سعرها الخاص وحتى هذا غير مهم المهم فقط عليكم أن تتفقوا جميعكم وتتوافقكوا على الكابينة وهو المهم بالنسبة لي .
وبلهفة وحيرة شديدة حث الأستاذ غسان أستاذ غني على التوضيح :
ـ ما ثمن (الكابينة الجديدة) ؟ ما هي شروطك يا سيدي ؟ فنحن بأمس الحاجة إلى (كابينة) جديدة تنهي كل هذه الاوضاع المأساوية فالأزبال والحشرات ملأت شوارعنا ولم يعد سكوتنا ممكناً ؟
ـ أذا توافقتم على شرائها ساجلب لكم (كابينة أزبال) كهربائية تقوم بفرز الازبال تعقيمها و تقضي على روائحها النتنة وساقسط ثمنها على سكان الحي تدفعونها لي بالتقسيط المريح وساجلب معها موظفين لتشغيل (كابينة الأزبال اللأكترونية المتطورة) لكن ليست هذه هي المشكلة !
ـ ونحن مستعدون لدفع الثمن سواء بالتقسيط أو كاش ونحن طوع فقط جد لنا حلاً ينقذنا ويريحنا وسنطيعك في كل ما تامر به فما هي مشكلة (كابينتك) اللعينة؟
أجاب (العم سامي) بخبث وسخرية
ـ بعد أن تمتلي (الكابينة الجديدة) بالأزبال كيف سنفرغها من (أزبالها الجديدة) و من ينقلها بعيداً عن هذا الحي؟ وإلى أين والحي أصبح مكباً للازبال ؟!