قصر صاحب الفخامة

في رحلتي الأخيرة إلى مصر نزلت في فندق سميراميس المزدحم أبدا. غير أنني كنت أذهب كل مساء خاٍل من الارتباطات٬ إلى تناول العشاء في حديقة «عمر الخيام ­ الزمالك». وأنا من زبائن الجزء القديم من الفندق قبل أن يضاف إليه جزء حديث أخفى سحر مصر الملكية وقاعاتها وأعمدتها والمدرج الحجري الذي في عرض كوبري. كانت لي في «عمر الخيام» ذكريات من الشباب٬ وبما أنه لم يبق من الشباب سوى الذكريات٬ فقد كنت أذهب إلى مطعم الحديقة في المساء «ألملم ذكرى لقاء الأمس بالُهدب»٬ كما غنت فيروز وكتب منصور الرحباني٬ شاعر الرقتين٬ الشعر والموسيقى. وغالًبا ما كان المطعم خالًيا إلا من حكايات عرفة. عرفة طبيب أطفال٬ يعمل في الليل رئيًسا للخدم في «الماريوت»٬ ويناقش الزبائن في أعمال نجيب محفوظ٬ ويجمع من المال الصعب ما يمّكنه من فتح عيادة بعد حين. وكنت أتمنى له في قلبي أن تتيسر أموره وأمور الشجعان أمثاله في أقرب وقت. كان «عمر الخيام» القديم قصًرا بناه الخديو إسماعيل لضيوف افتتاح قناة السويس٬ ومن ثم اشتراه ثري لبناني يعرف بالأمير لطف الله. وقد خطر للرجل٬ وهو في عز المال والجاه٬ أن يعود إلى بيروت لخوض معركة رئاسة الجمهورية٬ فيكتمل الجاه والمال بالسلطة. من كان في استقباله في ميناء بيروت؟ طبًعا٬ اللبنانيون. أحاطوا بصاحب الفخامة في الليل والنهار٬ ووعدوه بالرئاسة وما بعدها. وأظهروا له «شجرة العائلة». التي تؤكد أواصر القربى لكل منهم. وأنزلوه في قلوبهم. ولم يخرج إلا وقد خسر آخر جنيه حمله من مصر. فلما عاد إلى القاهرة٬ وجد أنه لم يعد يملك شيئا سوى هذا القصر في المنطقة التي أرادها محمد علي مركًزا للإطفائية٬ فسماها بالألبانية الزمالك. وفي أي حال تدَّخل التأميم وحَّول القصر إلى فندق. كان نزيل الفندق تلك الفترة عندليًبا أسمرُيعرف بعبد الحليم حافظ٬ لأن شقته خاضعة للأشغال بإشراف فؤاد سراج الدين٬ زعيم «الوفد» السابق٬ الذي تحّول إلى تاجر «أنتيكا» من أجل أن يعيش.