قراءة في إستراتجية مكافحة الفساد في العراق


إن الإرادة السياسية هي العامل الرئيسي في مكافحة الفساد والقضاء عليه ، لان التشريعات العراقية المتعلقة بالفساد تنظر إليها الأجهزة الرقابية والإدارية والتحقيقات، كما لو أنها أفرغت تماما من دورها، وأنه يجب إعادة النظر في التشريعات والآليات (يوجد ضعف في المحاسبة والجرائم وأنها تمثل خطورة على الجهاز الإداري).لذلك تعد الرقابة على المال العام إحدى العوامل المهمة في كشف سرقة المال العام ، بل من واجب البرلمان العراقي متابعة ودعم الرقابة المالية . من هنا كان من الضروري العمل على تدعيم وتعزيز الرقابة المالية بصورة تجعلها قادرة على الحيلولة دون العبث بالمال العام أو إهداره.
إن الخلل في التعدد غير المنطقي للتشريعات، كما يوجد خلط للأوراق وللمفاهيم وعدم الوعي التام بمسألة المفاهيم، مثل مفهوم الشفافية، وأنه توجد عوامل كثيرة مختلطة ساعدت على استشراء الفساد، وإنه لابد لنا أن نأخذ الحالة العراقية، ونقوم بالتنسيق والقياس عليها في موضوع التشريعات والقوانين. لا يوجد نمط موحد لوضع إستراتيجية ناجحة لمكافحة الفساد على المستوى المحلى، وأن الحل الأمثل هو وضع إستراتيجية شاملة تأخذ في الحسبان تكامل المبادرات بين المحليات، والربط بين الجهود على المستوى المحلى وتلك على الصعيد الوطني.
كما اعتمدت أغلب استراتيجيات مكافحة الفساد على عدد من الآليات، من أهمها: تحسين الشفافية والمساءلة، وتقييم الإرادة السياسية ونقاط الدخول، وتشجيع مشاركة المواطن، وإتباع منهج شامل للإصلاح، مشيرة إلى أن أهم مخاطر الفساد على المستوى المحلى تتمثل في إهدار الأموال العامة، وسوء تخصيص الموارد وإمكانات التنمية في الوحدات المحلية، وعدم كفاءة الخدمات العامة المقدمة للمواطنين، وإضعاف المناخ الاستثماري، وانخفاض النمو الاقتصادي في المحليات. كما يقوض الفساد الأهداف الاجتماعية، والاقتصادية، والبيئية، والسياسية للوحدة المحلية.
إن الحالة العراقية تتحكم فيها الثقافة الطائفية السياسية وتعدد مصادر القرار والمزاج ، وأن مسألة الشفافية والمساءلة واحترام القانون تحتاج إلى إعادة تصحيح وتوضيح وتوعية، وأن هذا المزاج مكتسب ونتاج سياق مجتمعي معين، وسيستغرق بعض الوقت (تغيير العقول)،لان مشكلة مكافحة الفساد متعلقة بالديمقراطية الحقيقة، وإنفاذ القانون، وتنفيذ الأحكام والإطار الاجتماعي والاقتصادي (السياسات الاجتماعية والاقتصادية)، والحد الأدنى والحد الأقصى (العدالة الاجتماعية)، وأهمية التجديد الثقافي والتربوي ، ومفهوم النفس اللوامة (الضمير). 
من المستحيل معرفة الإحصاءات الحقيقية للفساد في العراق لسببين اثنين: أولهما، غياب الشفافية والمعلومات؛ وثانيهما، عدم دلالة الأرقام على التأثير الحقيقي للفساد. بالرغم من وجود ما يسمى هيئة النزاهة ولجنة النزاهة البرلمانية ، إلا أن الوثائق والتقارير التي تصدر عن هاتين الجهتين غير دقيقة وكافية للضغوط السياسية والقضائية، وبالتالي لا يستفيد منها الصحفيون والباحثون، وكذلك من حق المواطنين أن يتابعوا كيفية إنفاق الدولة لأموالهم. أمّا التكلفة المادية الحقيقية للفساد فغالبًا ما تتعدى القيمة الرقمية. فمثلًا، عندما يستولي (سياسي) على مشروع أو شراء عقار من عقارات الدولة بسعر بخس ، فإن تكلفة الفساد في هذه الواقعة يتخطى قيمة الرشوة. والأمر نفسه ينطبق على حالات إهدار المال العام، لأن الفساد يؤدي لاحتقان اجتماعي وشعور بالظلم وغياب العدالة مما يتبعه تداعيات مجتمعية وسياسية واقتصادية، وهو ما يسمّى بـ"التفاعل التسلسلي". وهذا ما رأيناه في العراق، حيث أدى تفشّي الفساد إلى انهيار الاقتصاد وعجز مالي وبالتالي إيقاف عجلة النمو والتقدم . مما أثّر سلبًا على حجم الاستثمارات، فساءت الأوضاع أكثر وأكثر.
وتصف منظمة الشفافية الدولية إسقاط تهم الفساد بالتقادم بأنه “عد تنازلي نحو الإفلات من العقاب” وتقترح عدة إجراءات أهمها المرونة في تحديد مدة التقادم في الوظائف التي تمنح أي نوع من أنواع الحصانة وقت ارتكاب الجريمة، ويكون التساؤل المشروع هنا، هل كان هناك إمكانية لكشف هذه الواقعة وإجراء التحقيقات قبل انتهاء مدة التقادم .وأظهرت الكثير من الدراسات التي أجريت خلال حكومات حزب الدعوة التأثير السلبي للفساد على التطور الاقتصادي والسياسي والاجتماعي، فقد لوحظ أنه يزيد من التكلفة، ويقلل من كفاءة وجودة الخدمات، ويشوه عملية صناعة القرار، ويقوِّض القيم الاجتماعية. وطبقًا لتعريف البنك الدولي، يشير الفساد بصفة عامة إلى سوء استخدام السلطة الممنوحة للموظفين العموميين لتحقيق مصالح خاصة، وبذلك يشكل الفساد بمعناه الواسع انحرافًا عن القواعد القانونية والأخلاقية، وكذلك مقتضيات الثقافة المؤسسية السوية بصفة عامة.
كما أن احتكار القوى السياسية المسيطرة على مصادر الثروة وسلطة الحكم تغدو عاملاً من العوامل التي ينتشر بسببها الفساد والإفساد. وفي هذا الصدد يقر ابن خلدون في مقدمته الشهيرة: "إن اجتماع المال والجاه مجال للفساد عمومًا"، حيث يؤدي تسلط هؤلاء الأقوياء من ذوي العصبة لاستباحة انتهاك القانون والقيم الأخلاقية سعيًّا وراء مصالحهم الخاصة. ويتجلى ذلك في جشعهم وراء تراكم الثروة والاحتكار، وضمان مصالح أبنائهم في تولي الوظائف والمناصب المرموقة كما هو الشأن في وظائف القضاء والسلك السياسي والأمني والعسكري والتجاري وتمكينهم من الالتحاق بفرص التعليم في المستويات الجامعية حتى لو وصل الأمر إلى التزوير في درجاتهم ومستوياتهم.وفي المقابل، هناك اقتصاد كامل لهذا الجانب من الفساد، والّذي يتحوّل روّاده تدريجاً إلى أثرياء بدون جهد، وينضمون إلى الطبقة الطفيليّة، نتيجة مهارتهم في التلون، وقدرتهم على غضّ الطرف عن مخالفات أو تزوير أوراق.
وفي مقابل ذلك يجري الفساد والإفساد بين الفقراء الذين يضطرون إلى الانحراف بتعاطي المخدرات، وارتكاب الجرائم بالسرقة والتسول واللجوء إلى مختلف مظاهر العنف من أجل البقاء. أن تطبيق معايير المساءلة على الأفراد والمؤسسات وكفاءة طرق الحكم المطبقة كلها من العوامل التي تسهم في حصار ظاهرة الفساد إلى حد كبير كما أنه وفي غيابها يطلق العنان للتوسع في الفساد وتنوع أنماطه.
كما أن الإعلام يلعب دوراً أساسياً في مكافحة الفساد والتصدي لهذه الظاهرة التي باتت منتشرة في مؤسسات الدولة العراقية من خلال ما يقوم به من وظيفة كشف المستور كون الفساد يحدث بالخفاء.فالمفسد بطبيعة الحال لا يستطيع ارتكاب جرائمه على الملأ ومهمة الإعلام هي إظهار الحقيقة وكشف ما يحدث بالخفاء من هنا ينشأ الصراع بين الإعلام والفساد فالمفسدون غالباً بارعون في ارتكاب جرائم الفساد وعلى اطلاع واسع بالقوانين وعلى معرفة ودراية تامة بما يقومون به وكيف يقومون به ولديهم قدرة كبيرة على التمويه وإخفاء جرائمهم .
والسؤال:هل هناك وسائل إعلامية فاسدة ويقف ورائها أشخاص يحاولون التكسب من وراء إثارة بعض القضايا والوقوف في جانب معين دون الآخر لتحقيق مصالح خاصة؟. كما هو معروف قدرة وسائل الإعلام في التأثير على أفراد المجتمع ولكن ماهو الحال لو فسد هذا الإعلام فبدلاً من تصدي الإعلام لمحاربة الفساد نجدنا أما إعلام فاسد تتسخر أقلامه وميكرفوناته المأجورة لخدمة أشخاص معينة . فالإعلام كأي جهة قد ينخره الفساد وذلك يعود إلى القائمين على هذه الوسائل . وبالطبع يجب أن لا يتم تعميم ذلك على الوسائل الإعلامية بشكل عام . ونقول الآن ما الحل إذا فسد الإعلام ؟. ما العمل إذا فسدت وتلوثت أقلام وكاميرات وميكرفونات العاملين في مهنة نقل الحقائق وكشف المفاسد وتحول الإعلاميين إلى مجرد قارعي الطبول يحاولون بصوت طبولهم العالية إخفاء صوت المقطوعة التي يعزفها المفسدون متناسين أن بعض الناس بدأت تمل وتنفر من صوت طبولهم العالية وتقلب بعض الإعلاميين وقدرتهم على تغيير مواقفهم بسرعة فائقة .
أو أن يستغل الإعلامي وظيفته في تصفية حسابات شخصية له فيصبح أعداءه فاسدون يطاردهم ويتهمهم بالفساد مستغلاً بذلك وظيفته كإعلامي هدفه أولاً وأخيراً إظهار الحق وإعلاء كلمته مستندين إلى قدرتهم التأثيرية على أفراد المجتمع فيحاولون إظهار ما يريدون وتلوين الحقائق بالألوان التي يختارون حتى تظهر اللوحة مرسومة بالألوان التي اختاروها رافعين شعار محاربة الفساد وعداوة المفسدون الذي يخفي تحته شعارات أخرى.
هل تتم محاربة الفساد بتصيد أخطاء فلان من أجل تصفية حساب معين، والسكوت على أخطاء ألف فلان آخر. تقوم منذ فترة حملات تستهدف أشخاصاً بعينهم ويختص إعلاميين وصحفيين في تصيّد كل ما يخص تلك الشخصيات، والإكثار من الحديث عنها وإظهار أخطاءها وتتركز على المطالبة بالإطاحة بها وكأن الهدف من وراء تلك الحملة هو الإطاحة بتلك الشخصية. ولكن لا أحد منهم يطالب بمحاكمة المفسدين أو إعادتهم لما أخذوا ومحاولة إصلاح ما تم تخريبه من قبل المفسدين. و في المقابل نجد إعلاميين المديح تهب للدفاع عن تلك الشخصيات وتحاول تبرير أخطاءها وتجميل أفعالهم وتلميع صورتهم التي ما يلبث الغبار أن يغطيها فتصبح بحاجة الى تلميع مرة أخرى. 
وفي الوقت الذي تعهد فيه حيدر العبادي، مكافحة الفساد، وأصدر تعليماته بضرورة مواجهته، لكن التقارير تشير إلى أن معدلات الفساد في العراق في ارتفاع مستمر، وقد وصل حجم الفساد إلى نسبة 88.9% وحذر مؤشر الفساد العالمي في تقريره الأخير( 22اب 2016) أن "الفساد في العراق يبلغ ذروته ويمد خلاياه السرطانية في جميع قطاعات الدولة". من هنا يتطلب إعادة النظر في إستراتيجية مكافحة الفساد في العراق والعمل الجاد والصادق في مكافحته.وفي مقدمتها إحالة حيتان الفساد إلى المحاكم وتعزيز دور القضاء المستقل النزيه ودعم ديوان الرقابة المالية وإلغاء مكاتب المفتشين العموميين في الوزارات لأنها مكاتب ضمن منظومة الفساد( مكاتب سياسية) وتفعيل دور لجنة النزاهة البرلمانية وتعزيز مبادئ النزاهة والشفافية والعدالة ودعم حرية الإعلام في كشف ملفات الفساد وتكوين ثقافة مجتمعيه تنبذ الفساد والمفسدين .واستقلالية هيئة النزاهة وحث الوعي الثقافي المعرفي في خطورة الفساد على المجتمع العراقي ومستقبله الاقتصادي.خلاف ذلك سيبقى صوت الفساد هو سيد القرارات في العراق .