مصاصو الروح الخضراء

 

تعمل كل الدول العالم على تجميل صورة بلدانها من كافة النواحي العمرانية والحضارية والبيئية والثقافية والفنية وفي تأسيس المتنزهات والحدائق العامة وتشجير الشوارع والمؤسسات الحكومية ونشر وتشجيع ثقافة المناطق الخضرا وخاصة عند التحول نحو مراحل الاعمار والتحديث والتغيير في البنية الهيكلية للحياة المدنية وبعد حدوث الكوارث الطبيعية او الحروب المدمرة التي تعود بالبد الى حالة البدائية وانتشار الحطام والمخلفات والاف البشر تحت الانقاض، الامر الذي يعطي الفرصة لادارة البلد في تلك البلدان من اعادة تخطيط المدن ويوفر لهم مجالات واسعة للتوجه نحو اعادة بناء واعمار المناطق المنكوبة وفق صيغ الحداثة والاستشراق نحو متطلبات مستقبل الحياة العصرية للمواطنين، وليس بعيداً تجربة (بولونيا) بعد الحرب العالمية الثانية حينما وقعت بين سندان المانيا ومطرقة الاتحاد السوفيتي عندما اصبحت ساحة حرب بين البلدين المتحاربين وميداناً لمعاركها التي استخدمت فيها ابشع وسائل الدمار والقتل انذاك، واستنزفت المواقع المدنية والحضارية والتراثية التي بناها شعبها عبر مئات السنين، بحيث خرجت بعد الحرب وخاصة العاصمة (وارشو) مدنية بلا ملامح..

الا ان عزيمة الشعب الذي يحب وطنه، والحكومة التي ترعى مصالح شعبها لا يقف امامها مستحيل.. وكانت النتيجة بناء (وارشو) جديدة باحدث وسائل واساليب وتقنيات تخطيط المدن، ولابد من الاشارة هنا الى حقيقة ملفتة للنظر صعبة الفهم على من لا يدرك معنى الحضارة والتطور، بأن بلداً اوربياً صناعياً عمرانياً تبلغ المساحات الخضراء فيه من المتنزهات والحدائق والمزارع والتشجير والغابات اكثر من (40%) اربعون بالمئة من مساحته، لان هذه المساحات تعبر عن روح البلد ومصادر ثرواته الصحية والسياحية والزراعية والحيوانية.

ولابد من الاشارة بأنه سبق للعراق ان (تعاقد) مع بولونيا التي تعتبر من بين الدول المتخصصة في احدث اساليب تخطيط المدن والاستفادة من خبراتها في وضع نظام الترقيم للشوارع الرئيسية والفرعية والازقة والمحلات والدور السكنية الذي حقق تطبيقه نجاحاً كبيراً في العراق منذ عدة عقود ولازال.

وعلى عكس تجارب العالم في الاستفادة من المساحات الخضر واقامة المتنزهات والحدائق والغابات الصناعية وتحويل المناطق القاحلة الى مروج وبساتين، فان سياسة بناء الطابوق وصب الخرسانة والكونكريت والاسيجة الحديدية والكتل الخرسانية وسد المنافذ والطرقات اصبحت بديلاً عن تحويل الاراضي التي تملكها الدولة الى مساحات خضراء للترويج عن المواطنين والنفع العام بتحويلها الى رياض اطفال وحدائق ومتنزهات وملاعب للشباب والاطفال واماكن نزهة للعوائل بدلاً من ان يفترشوا الارض تحت ظل شجرة ان وجدت لقضاء يوم عطلتهم.

ذلك لان السياسيين الذين خرجوا من القمقم على حين غفلة استملكوا وسيطروا على الاراضي والمساحات التابعة للبلدية حتى وصل الحال الى السيطرة على المناطق المحاذية للشوارع التجارية والاراضي المخصصة ضمن خرائط التخطيط الاساسي لمدينة بغداد والتي كان مخططاً تخصيصها لمشاريع النفع العام بما فيها ضفاف الانهار التي تعتبر ثرورة وطنية لا يجوز تحويلها الى ملكية خاصة بعيداً عن النفع العام والمصلحة العامة، ومن بينهم من هجموا يسيل لعابهم على تلك الاراضي التي يمكن ان تكون خضراء وليس مشاريع استثمار ليجعلوا منها شواخص كالحة تغطيها الابنية الاسمنتية كما يهجم مصاصو الدماء في الافلام الامريكية لارواء عطشهم من رقاب الاخرين.