الإعلام الثقافي الرقمي وتحدّيات القيم المجتمعية

 

يشهد العالم أنفتاحا غير مألوف في إنتقال المعلومات والثقافات بين أجيال متباينة في العمر تعيش في مناطق متباعدة ومتباينة في العالم الفسيح لا بل أن حوارا مستمرا يحصل طوال اليوم بين فئات متنوعة الثقافات لا يمكن تجاهل مدى تأثيره في البناء الثقافي للأنسان في الوطن العربي وما الذي يمكن أن نتوقعه بعد مضي بضع سنوات في السلوك العام والتغيرات المتوقعة الحدوث في الشخصية المعنوية والاخلاقية والقيمية.

واذا كان الاعلام والثقافة رديفين او اذا صح القول وجهين لعملة واحدة كما هو معروف فأن هناك من يعتقد خلاف ذلك في إطار سيادة وسائل التواصل الاجتماعي وما خلفته وتؤسس له من معطيات جديدة وسرعة في الأتصال الممنهج بين سائر الناس دون قيود او رادع او ضوابط سوى الأطر التي تربت عليها والمتراكم من القيم المجتمعية التي ألفتها عبر مراحل نمو وتطور المجتمعات.

 وقد تساءل المعنيون فيما بعد، عن مبررات الاندماج بين عمالقة صناعة الإعلام وصناعة السينما، ودور الصحافة والنشر وشركات برمجة الكمبيوتر والانترنيت، وتأثيرها في الحركة الاقتصادية والبورصة العالمية. وتشكك آخرون بخصوص حاجة سكان الأرض إلى تلك الحلقة الكثيفة من الأقمار الصناعية التي تجاوز عددها الخمسمائة ساتل للإرسال المباشر وغير المباشر، ثم ذهل الكثير عندما انهار الاتحاد السوفياتي دون حرب أهلية أو تدخل أجنبي، وتأكدوا أن ما كتبه قبل نصف قرن فيليب كوبس لم يك مجرد تصور نظري عندما أكد أن العلاقات الدولية ينبغي أن تقوم على أربعة أركان وليس أقلها البعد الثقافي، واتضح أن أجهزة الثقافة شأنها في ذلك شأن أجهزة الإعلام الحديثة (مثل الأنترنيت) يمكن استغلالها لأغراض بعيدة عن الإبداع الفني والأهداف النبيلة كما حدث في السنوات الاخيرة عندما تمكنت مايسمى بالدولة الاسلامية من توظيف وسائل الاتصال الألكتروني في تجنيد الشباب من دول العالم المختلفة وبث ونشر الاكاذيب المفبركة للترويج لدولتها المزعومة.

إن من المحتم الاعتراف بتلك الفضاءات الجديدة التي أفرزتها منظومة العولمة، كما انه لا مفر من الاعتراف بدور أجهزة الإعلام بكل أشكالها، في التغييرات التي طرأت على مظاهر السلوك الإنساني في هذا العصر الذي لم يعد فيه وجود لأي حواجز ثقافية أو فنية، حيث دخلت أجهزة الإعلام كل بيت وانتشرت القنوات الفضائية وأصبح الكمبيوتر الشخصي مرافقا للإنسان في كل مكان.

ثم إن العلاقة بين منظومة العولمة ومفهوم الحضارة في مجتمع المعلومات في حاجة إلى تحاليل إضافية ودراسات معمقة، ذلك أن المنافسة كانت تقوم بكل درجاتها وأنواعها داخل حدود الوطن نفسه، أما العولمة فهي تؤدي إلى غياب البعد الوطني أو القومي وهي تعني الانصهار في مصنع عالمي واحد وسوق عالمية تهيمن عليها الشركات العابرة للقارات، ولذلك فإنه يحق لنا التساؤل اليوم أي تشكيل ثقافي يمكن الحديث عنه ؟ هل هو المضمون المحلي الذي توارثناه جيلا بعد جيل ؟ أم ثقافة العولمة التي ستكيف المجتمع في شكل جديد ؟ وهل يمكن طرح موضوع علاقة الثقافة بالإعلام من منظور تقليدي ؟ أم هل يتعين ربط المفهوم الجديد للثقافة بالشبكات الحديثة للمعلوماتية وبالتجهيزات الرقمية التي قد تتجاوز الإنسان في ذكائه وطاقته الإبداعية.