الحب والحلال


في كل شباط يتجدد النقاش، وتتكرر الاتهامات بين مدافع عن «عيد الحب» ومعارض له يصفه بالوثني، ويرى فيه وسيلة لغزو أخلاقي لمنظومة القيم الأخلاقية للمجتمع. كلا الجانبين يتطرفان ويبالغان في موقفهما. الاول يحصر المناسبة بعلاقة العشق بين رجل وامرأة فيثيرون حفيظة المعارضين فيبادرون الى معارضته الى الحد الذي يتصور السامع معه ان الإسلام خال من مفردة الحب، بل معارض للحب، وهذا يعطي مبررا لكل الذين شوهوا اسم الدين بالجرائم والقسوة والكراهية.
النصوص الدينية التي تحض على المحبة والرحمة لا حصر لها.كل رجال الدين الذين يجرون عقود الزواج يكررون حديث الرسول الاكرم لأعرابي ناصحاً: قول الرجل لزوجته أحبك لا يذهب من قلبها أبداً. فلماذا باتت كلمة الحب محرمة و «جالبة للفساد الأخلاقي». لو طبقنا هذا الحديث في بيوتنا فان أطفالنا يكبرون على المحبة التي تعمّر نفوسهم وقلوبهم، فيكونون ايجابيين منفتحين لا يعرف العنف أو الكراهية الى نفوسهم طريقاً.الحب مفردة لا تقتصر على العشق المقرون بالممارسات المحرمة دينياً واجتماعياً. ألم نسمع بالحب العذري، والحب الطاهر؟ وهل يشترط أن يقترن الحب بالممارسات الممنوعة؟ هل يحرم الدين حبا بدون ما حرّم الله.
البعض يقول انه عيد وثني ويجب الّا نحييه. الطريف أن أغلب أصحاب هذا الرأي عاشوا في إيران لسنوات، وكانوا يحتفلون مع الايرانيين بعيد «النوروز» كل عام، وفي هذا العيد ممارسات تعود الى عبدة النار.لكن النظام الإسلامي لم يمنعه، انما سعى الى إلباسه لباساً دينياً، وشذبه مما تتعارض منه مع الدين، ووضع له دعاءً خاصاً.  لم يكونوا هم أول من أقرّ بهذا العيد، بل أنهم يتناقلون رواية عن الامام جعفر الصادق تقول انه زار عائلة فارسية فرأى عندهم مائدة عامرة بالطعام والحلوى فسألهم عن مناسبتها فقالوا انه عيد النوروز فقال ممازحا: إذاً «نورزونا» كل يوم.
إن صحّت هذه الرواية فإنها تشير بوضوح الى ان الاسلام لا يلغي ما كان قبله، ما لم يكن مضرا للإنسان والمجتمع. وهكذا استمر هذا العيد في إيران عيداً وطنيا، يرتبط بالطبيعة والنظافة وتجديد الحياة، تتعطل فيه الحياة ويغط الايرانيون خلاله في راحة واستجمام تامين لعدة أيام.
لا ينبغي لدعاة ومؤيدي عيد الحب أن يصروا على حصره بالحب بين شاب وشابة، فهذا هو أصغر جزء فيه. عيد الحب بات في الغرب اليوم عيداً للمحبة.  هو مناسبة لتجديد المحبة بين الزوج وزوجته، والابناء والبنات وامهم. أنه عيد المحبة بشكل عام ومنها الحب بين حبيبين يتطلعان الى بناء عشٍّ زوجي يقوم على هذا الحب. ولو كان الحب، المضبوط بالعقل، شائعا عندنا، لما ارتفعت نسب الطلاق المرعبة الموجودة في مجتمعنا اليوم.
لو نتبنى هذا المعنى الشامل للحب، ونجعل الرابع عشر من شباط، أو أي يوم آخر، عيداً للحب ومناسبة لتجديد المحبة في قلوبنا تجاه الجميع، لتحوّلنا الى مجتمع آخر، يقّل العنف فيه وتندرالكراهية. عندها يكون من حقنا أن ندعي اننا أتباع أديان تدعو كلها الى المحبة والسلام.