دولة مدنية بالوسط بين الدينية والعلمانية

 

يبدو لي ان مصطلح الدولة المدنية الذي ليس له أساس في المصطلحات السياسية اصبح هو (الحل) او (المطلوب) من قبل الاتجاهين المتناقضين ، الاتجاه الديني والاتجاه العلماني، ولكلا منهما مبررات التعامل مع هذا المصطلح (المرن) الذي كانت ولادته في (مصر) نعم لا يوجد في ادبيات الفكر السياسي  الامريكي او الاوربي او اي مكان في العالم ما يطلق عليه بالدولة المدنية! وهو مصطلح دفاعي صاغته شريحة من  المثقفين المصريين ضد التيارات الاسلامية في سبعينات القرن الماضي ،لأن القوى اليسارية العلمانية في مصر لم تكن قادرة او تملك الشجاعة الكافية لطرح مشروع الدولة العلمانية لأسباب عديدة بسبب السمعة العلمانية المقترنة (بالالحاد) فتم اتخاذ (التورية) الثورية ، بمصطلح جديد غامض وهو (الدولة المدنية). انصار العلمانية واحزابها ومثقفوها من العرب ارادوا دفع تهمة (فصل الدين عن الدولة) فلجأوا الى الوسطية المقبولة من قبل الاتجاهات الاسلامية ،وبنفس الوقت فشل الدولة الاسلامية واقتران تلك الانظمة واتهامها بالتخلف والعنف اتخذن موقفاً مرناً لقبول الدولة المدنية في البداية ومن ثم تبني مشروع الدولة المدنية لتسحب البساط من تحت اقدام الحركات اليسارية والتيارات المدنية. هذا اللف والدوران من قبل الاتجاهين هو بسبب الفشل في الوطن العربي للاتجاهين اليساري العلماني واليمين الاسلامي ،في العراق هناك تفسيرات محتلفة للدولة المدنية ! فأحد قادة الاحزاب والحركات الاسلامية يرى بأن النظام السياسي في العراق بعد 2003 هو نظام (مدني) والعراق دولة مدنية ، وليس عسكرية لأن لا يحكمها (عسكري)! بينما يرى قائد اسلامي آخر ان التحالف مع التيار المدني والتنسيق معه ضروري جدا لهزيمة التيارات الاسلامية المنافسة، بينما يرى اصحاب الاتجاه العلماني امكانية التعامل مع (رجل الدين) لتحقيق وترسيخ (الدولة المدنية) التي يختفي خلفها – تشريعات وقوانين علمانية وليست دينية- رئيس حزب اسلامي آخر يرى في أن الحل يكمن في (الدولة المدنية) لكننا عندما نطلب منه قانوناً للاحوال الشخصية مدنياِ وليس دينياً ومذهبياً سوف يرفض ذلك!

ولتوضيح التفسير المختلف للظواهر السياسية والاقتصادية والاجتماعية ولتوسيع معنى مصطلح الدولة والاتجاه المدني والعلماني والفرق بينه وبين الاتجاه الديني ،سوف نستعين بهذه الحكاية:-

” ثلاثة اشخاص حكم عليهم بالاعدام بالمقصلة، وهم على التوالي (مؤمن – متدين) و(مــحام – مدني) و(عالم – علماني) ، تقدم المؤمن الى المقصلة سألوه طلبه الاخير ، أجاب طلبي :- ان ينقذني الله من الموت! نزلت المقصلة وتوقفت عند رقبته ! قالوا له انت بريء لقد نقذك الله من الموت واطلق سراحه! تقدم المحامي للمقصلة وسألوه عن طلبه الاخير ، فأجاب اتمنى من العدالة ان تنقذ حياتي، نزلت المقصلة ووقفت عند نفس النقطة ولم تقطع رأسه، قالوا له انت بريء انقذت العدالة واطلق سراحه! تقدم العلماني الى المقصلة وسألوه هل لديك ما تقوله اخيرا ؟ أجابهم ان المقصلة عاطلة وفيها عيب بذلك المكان ، فأصلحو ا العطل بالمقصلة فنزلت سريعا لتقطع رأس العلماني!