الوسواس ينير العتمة

 

لايمكنني وصف اية جهة تحارب الفنون وتعدها من بين الممارسات المشبوهة بغير التخلف، ومثل هذه الجهات ما كان لأحكامها الغريبة ازاء الفنون ان تنتعش لولا توافر بيئة اجتماعية تتسع فيها مساحة التخلف وتضيق مساحة التنوير، أرجو من البعض عدم المكابرة ومجافاة الحقيقة بقولهم : أن مجتمعنا بلغ من الثقافة والتعليم والوعي مراتب متقدمة تقترب مما وصلته المجتمعات الاخرى، لذا فان الخطوة الاولى لتنمية حقيقية ترتقي بالمجتمع لمواجهة تحديات مرعبة تعترضه تنطلق من الاعتراف الجريء : بان مجتمعنا لم يتوافر على حصيلة ثقافية وتعليمية كافية، فعلى مر العقود الماضية كانت منظومتنا التربوية والتعليمية تراوح مكانها، ولم تحظ بعناية جادة من الحكومات المتعاقبة على اختلاف توجهاتها الأيديولوجية، فلعابها لايسيل للثمار الآجلة، لان نضوجها يتم في أزمنة غير أزمنتها، فلا تخاف مخاطرها ولاتجني فوائدها، الأمر الذي جعل المجتمع مرتعا لقوى وسلطات متخلفة واخرى طامعة وثالثة مضللة ورابعة مترددة، واستمرار هذا الحال ليس من نتائجه سوى انهيار المجتمع ومن ثم الدولة، ولعل جانبا من مظاهر الانهيار ما نحن فيه اليوم من كوارث ونوازل تطول حاضرنا ومستقبلنا. ولا اظن ان المصيبة تكمن في احتلال قوى ظلامية لبلادنا، بل بتسلل روح الكراهية وثقافة الانتقام وعدم التسامح ورفض الاخر،واغتيال الحريات الشخصية،وفرض قناعات صارمة على عموم المجتمع وكأنها حقائق لاتقبل المناقشة، والاستهانة بالقانون، ومَنْ غير المدرسة مؤهل للمواجهة؟.

 

من بين الحقائق المحزنة ان تتمكن هذه الجهات من تحشيد نظرة دونية ازاء الفنون، وكأن المسرح قبو للدعارة، والغناء مفسدة،والرسم نجاسة، والعاملون فيها أبعد الناس عن الاخلاق، وصار أهل الفن يجهدون لمواجهة هذا التيار الذي بدأ ينفذ حتى الى بعض النخب التي تجاري تلك الجهات اقتناعا بطروحاتها او مجاملة لابتساماتها او خوفا من سطوتها او مداراة لمكاسبها .

 

لا اقسى وأكثر تخلفا من جدل في بديهيات حسم الأمر فيها منذ قرون، وأبسط البديهيات ان الحياة صحراء قاحلة بلا فنون، وان الاذواق لن تهذب الا بالفنون، وان الجمال في ثلاث بضمنها الفنون، واي تعطيل للفنون تدمير لركن من اركان الحياة،ندعو الى فن ملتزم لا اسفاف فيه، فن ينمي الذائقة الانسانية، ومثل هذا الكلام نريد له ان يصدر عن الجهات صاحبة السطوة في الواقع الاجتماعي،ومغادرة الصمت عما يخرب حياتنا، والابتعاد عن مقولات تتسم بالتعميم بأن الفنون تفسد الناس، نريد دعما للفن الحقيقي، وسنضم أصواتنا لأصواتهم في محاربة كل ما يخدش الحياء وينتهك الآداب .

 

يأتي التفكير في هذا الكلام بعد خروجي منتشيا من عمل مسرحي بعنوان (الوسواس) يتصدى لظاهرة الفساد في مجال يفترض ان يتحلى بأعلى قيم الانسانية، والأكثر سعادة ان هذا العمل من انتاج اعدادية ثويبة الأسلمية في محافظة ديالى، ولابد من القول ان العمل الذي حضره جمهور واسع وصفق له كبار الفنانين من أمثال غازي الكناني صاحب الدور الشهير (فزع) في مسلسل جرف الملح، جاء بجهود فردية تستحق الثناء من مديرة الثانوية الاستاذة حذام خطاب، وهي المدرسة الوحيدة من بين مئات المدارس في المحافظة التي تشارك في يوم المسرح العالمي، وهو ما فعلته العام الماضي بعمل يمكن وصفه بالرائع في حدود ما متوافر لمدرسة من امكانيات، والأمانة تقتضي القول ان ما قدمته الطالبات كان أفضل بكثير مما قدمته جهات معنية بالفن المسرحي التي احبطتنا أعمالها أيما احباط، وقد نعذرها لمعرفتنا ببعض الاسباب وأولها صعوبة السباحة عكس التيار، بالمقابل يحق لنا ان نسأل وزارة التربية ومديرياتها العتيدة : أين هو المسرح المدرسي ياسادة ؟ أتطلع الى شجاعة المسؤولين للاجابة عن سؤالي، وليس الى كلمات ناعمة وبدلات راقية وأربطة عنق براقة، التنمية يراد لها أن نشّمر عن السواعد والعقول، يالحزني ان يأتي التنوير ممن نراهم صغارا، بينما يجّمل الكبار العتمة .