أسلمة الإرهاب أم ترهيب الإسلام.



من المؤسف أننا اليوم نواجه حالة شاذة وغير إنسانية ولا أخلاقية تتعلق بمنطق يقول (أن الإرهاب لا دين له)، وكأن الإرهاب هو نتاج فراغ ومتج من دائرة خالية من المعطيات والمقدمات والأسس الفكرية والثقافية التي يبنى عليه في أرتكاب جرائمه ويجد لها المبرر والقاعدة في لمشروعية، الإرهاب في جميع صوره وتأريخه هو إرهاب ديني وأرهاب عقائدي ناتج عن صراع ديني وصراع عقائدي وصراع يستند في قوته على مقدار ما تمنحه الثقافة والفكر الديني من قوة وما تدعمه المؤسسة الدينية من بركات، لا أظن أحد يقول أن بعض أنواع الأرهاب ليس له دافع ديني كما تفعله مثلا المنظمات الماركسية أو عصابات المافيا أو غيرها من الأفكار السياسية اليمنية واليسارية، أقول عودة بسيطة لجذور هذه الأفكار وقواعدها نجد أن خلفها أسس ومقومات دينية قد تختفي من الواجهة أحيانا ولكنها بكل تأكيد وجزم صنائع منظمات دينية ذات جذور تلمودية في الغالب.
الإرهاب له قاعدة أجتماعية مغذية وحاضنة وملتفة حوله تشجع وتبارك وتمده بأسباب القوة، هذا من الناحية البشرية وهي بالغالب حواضن ذات تأريخ ممتد وعميق في تبرير الإرهاب وإظهاره على أنه واحدة من العقائد أو الأسس الإيمانية التي تحفظ عقيدة هذه المجتمعات عندما تستشعر أنها في وضع حرج وأن موقفها الفكري عاجز أن يطرح بديلا حضاريا إنسانيا يحفظ لها هذا الوجود ويصون الأخر، الغريب أنه كلما زادت عوامل التخلف والأنحطاط في واقع المجتمع الديني عاد هذا المجتمع للبحث عن زوايا قاسية يلوذ بها ويتخذها درعا له لمواجهة الأستحقاقات المطلوبة منه، وأولها وجوب الحركة إلى الأمام أو التحجر الذي يؤدي به للفناء، متناسيا أن الحياة لا تمارس بالأختباء خلف الموت وهلاك الأخر مهما كانت الظروف والإشكاليات المصيرية من القوة بمكان، المجتمع الذي يؤمن بأن حياته في هلاك الأخر مجتمع مريض وعلى شفا الأنهيار، لأن التجربة التأريخية بعمقها الزمني لم تثبت ولا مرة واحدة أن الإنسان أستطاع أن يلغي الأخر أو يخرجه من دائرة الوجود ليعيش بسلام.
لا ينشأ الإرهاب بدون فكر وإلا لا يمكن تسميته إرهابا أنه جنون منفرد وحالات شاذه، أما أن يكون مؤسسة لها وجودها المادي على الأرض ومنظرين ومفكرين ودعاة وجماهير غبية تسير خلفهم معصوبة الأعين ومغلقة كل طرق السمع والفهم، فبالتأكيد وراء ذلك أيديولوجية فكرية يقدسونها ويعتبرونها أمر السماء، هذا الفكر الإرهابي لا يمكن أن يكون خارج الدين وخارج العقيدة وخارج ما يصطلح عليه اليوم بالقاع الثقافي العميق للعقل الممؤمن، عندما تفحص كل أفكار الإرهابيين وعبر تاريخ البشرية تجد عبارة وحيدة في عقولهم أن الله أراد لنا أن نكون جنودا محاربين للدفاع عنه، هذا التبرير الذي يبدو ساذجا عند البعض نجده في قمة الوفاء والإيمان والمعقولية والمنطق عند الناس الذين لا يرون في الحقيقة لله وجود إلا حين يحضر الموت والقتل، وكأن الله لا يؤمن بشيء ولا يريد شيء أخر غير الموت والهلاك والفناء، وأنهم جند هذا الرب الإرهابي الذي لا يحترم حتى إرادته في خلق الناس.
تماما يمكننا اليوم أن نقرأ في ظاهرة الإرهاب العالمي الذي لا يستثني أحد ولا يوقر أحد أن عنوانه أن الله أمرنا بقتل الناس وسماه جهاد وهو فرض، ولا بد لنا من أن ننصر الله قبل أن ينتصر الإلحاد عليه، الإرهاب اليوم عنوانه إسلامي نعم وجذوره تمتد من أول يوم قال فيه مسلم سأقاتلهم على الزكاة كما أقاتلهم على الصلاة، الإرهاب اليوم هو أمتداد لأول عملية أغتيال سياسي ووجودي لنبي ورسول وإمام ومصلح، أراد لهم الحياة الحرة فأجبوه بالموت وأنهم إناس يتطهرون، الإرهاب اليوم هو حصيلة حقيقة حين تولى أمر الدين أبناء الحرام وأولاد الزنا وحثالة أخلاقية أطالت اللحى وحفت الشوارب وقالت لا إله إلا الله وتقصد إلهها الخاص، وليس إله العالمين فأرتكبت المجازر والنهب والسلب والقتل والأسر وكانت تحمل معها وعلى رؤوس الحراب كتابها المقدس أو صليبها المتقاطع أو المعقوف.
الإرهاب اليوم له دين وله منهج وله أئمة وقادة ودعاة وله مؤسسات وله كيان وله تمثيل وله قوة ظاهرة وخفية لا يمكن لعاقل أن يؤمن بأن الإرهاب لا دين له، لكن السؤال وإن أجبنا عنه قبل قليل، لماذا أستوحش هذا الفكر الديني بقوة في تحولات عالم كوني كان يسير نحو تبدلات جذرية في عقل الإنسان، هل أنها ردة فعل على فشل مجتمع المسلمين أن يتكيف مع التحولات هذه؟ أم أن الإسلام كفكر تأريخي غارق في رفض الأخر هو الذي فجر الصراع في محاولة للعبور إلى مرحلة خلط الأوراق وإعادة المسيرة العالمية لتسلك طريق أخر؟ واثق جدا أن الإسلام الرسالي إسلام القرآن وليس إسلام أبي هريرة وأبن تيمية وإسلام الأزهر برئ من كل ذلك، وإن ما يجري هو عملية أغتيال سياسي لذلك الإسلام النقي الذي قال (أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً).
وحتى لا نضحك على أنفسنا في كل مرة وننكر أن فكرنا المسمى إرث الأمة ومفخرتها وأن سلفنا الصالح كانوا خير ما أنتجت الإنسانية، علينا أن نقر وبكل قوة وبدون خجل ولا تورية أن الإرهاب اليوم إسلاميا بأمتياز وجاء تعفيفا وتبيضا لوجه الأخر، الذي ندع اليوم محاربته بقتل بعضنا البعض، فإذا كانت أمريكا وإسرائيل والغرب هم أعداء الإسلام كما يزعمون وأنهم الشر المحض الذي يريد أن يطفيء نور الإسلام، لماذا نقاتل غيرهم ونقتل من لا علاقة له بهم ولا يؤمن بهذا أو بذاك، لماذا نهدم مجتمعاتنا ونحطم النية التحتية لمجتمعاتنا، لماذا لا ننقل المعركة كما يزعمون إلى حيث يجب أن تكون بدل أن نقتل الأبرياء والناس الذين لا ذنب لهم سوى أنهم ولدوا في هذه الأرض الشريرة التي أنجبت كل شياطين الجهاد وخنازير الفقه وأبناء كل زانية يتستر بالدين ليستر عورته أنه أبن حرام بكل تأكيد وحسب فقههم.
إن أشاعة مفهوم الإسلام الإرهابي أو الإرهاب الإسلامي لا يمكن أن يكون إلا من قاعدة دينية منافسة ومعادية تريد أن تخفي سوداويتها وقبحها الفكري، من خلال تشجيع وتبني الإرهاب بصفته المنادي دوما بكلمة ( الله أكبر) لتنهي مرحلة متقدمة من الصراع الديني الخفي الذي يجري وراء الستار وخلف حيطان وجدران لا يخترقها السمع ولا البصر، الإرهاب اليوم نعم إسلاميا بالتأكيد ولكنه صهيونيا بالنتيجة والحصاد ولا يمكن لهذه المعادلة أن تتغير، بعد أن كان العنوان مسيحيا صهيونيا ويهوديا صهيونيا وإلحاديا صهيونيا، الأن حلت الإسلام الصهيوني الواجهة بكل قباحته ليقول أن الله أراد للبشرية الدما ولأنه عاجز وغير قادر ولا يستطيع أن يفعلها، فقد سخر لها القاعدة وداعش وبوكا حرام وجيش محمد وكل التنظيمات التي ترى أن الله ضعيف وأن الله كسول وأن الله في الحقيقة هو ابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب وأسامة بن لادن وهذه الثلة من الأنجاس المؤمنين بالجهاد لأجل قتل الإنسان بدون تمييز وبدون هوية.