الوليمة الكبرى

 

 من أشد الحالات التي يعانيها الأنسان هي حالة الجوع التي تسيطر عليهِ في مرحلة من مراحل حياته . الجوع يأخذ مداليل كثيرة , هناك الجوع لسلطة أو الجوع لحاجة يتمنى الفرد أن يحصل عليها ولكن تعد من ألأشياء المستحيلة بالنسبة لذلك الفرد . هناك أيضا الجوع الجنسي والجوع العلمي إن صح التعبير والجوع لأشياء كثيرة تدخل ضمن ألأحلام التي لايمكن تحقيقها وهي تدخل في جدول ألآمال الكبيرة. حينما كنتُ في الثاني ألابتدائي عام 1965 كانت والدتي تضع لي يومياً قطعة من الخبز فقط في جيب حقيبتي وتوصيني أن أتناولها عند الدرس الثالث وأشرب قليلاً من الماء من الحنفية أو الصنبور في تلك المدرسة .

كانت هذه الوليمة لاتتغير يوماً واحداً بسبب الحالة المادية التي نمر بها في تلك القرية البعيدة. من الجدير بالذكر أنني أستطيع أن أصطحب معي التمر أو الفواكه ألأخرى الموجودة في البستان القريب من البيت مع العلم أننا – كعائلة – لانملك شبراً واحداً من ذلك البستان لكن العلاقة القوية مع أصحاب تلك ألأرض الطيبة خولت لنا أن نأخذ أي شيء على شرط أن يكون للطعام فقط وليس للبيع. مع هذا أوصانا ابونا أن لانقترب من أي شيء إلا بموافقة أصحاب ألأرض. بالنسبة لي كطفل لاأعترف بهذا القانون الذي وضعه لنا ابونا لأنني كنتُ أشعر أن تلك ألأرض الطيبة بمساحاتها الشاسعة تعود لي أو لنا. أنا جئتُ الى الحياة على تلك ألأرض وتربيتُ مع صغارها الى أن عرفت معنى الحياة هناك لاحقاً. كان من أقرب أصدقائي الصغار في ذلك الزمن – طفل جميل جداً يجلس الى جانبي –لا اربد أن أسميه لأسباب كثيرة . كل ما يمكن أن أذكره عن ذلك الطفل هو أن ابوه كان ضابطاً كبيراً في المعسكر القريب من المدرسة. ومن أجل الحقيقة كان ذلك الطفل قريباً مني وأنا قريب منه لدرجة أشعر أحياناً أنه أخي. لايقترب من أحد إلا مني ونبقى معاً طوال مكوثنا في المدرسة. الشيء الوحيد الذي يؤلمني من وجود ذلك الطفل هو الفارق المادي الكبير بيننا. مع هذا كانت علاقتنا قوية جداً. من أتعس ألأوقات التي كنتُ أمر فيها هي لحظة تناولنا ألأشياء التي نجلبها من البيت كطعام يومي. كنت أخفي قطعة الخبز وأذهب بعيداً عنه لحين تناولها وشرب الماء من الصنبور. أما هو فلا يخرج من الصف ويفتح حقيبتهُ ألأنيقة ويخرج طعاماً ذو رائحة لم أشمها في أي بيت من بيوت القرية البعيدة.

كنتُ أحدثُ والدتي عن تلك الرائحة بدقة وكانت توصيني على الدوام أن أتناول خبزي بعيداً عنه ولا أقترب منه إلا حينما أشاهده وقد أنهى طعامه. أوصتني أيضاً أن لا آخذ من طعامه أي شيء مهما حاول. في بعض ألأحيان كان لايجلب أي طعام معه وعند الدرس الثالث أشاهد سيارة عسكرية تقف قرب باب المدرسة ويترجل منها جندي يحمل في يدهِ كيساً أنيقاً ويسلمه لذلك الطفل.

 في يومٍ من ألأيام نسيت والدتي أن تضع لي قطعة الخبز في حقيبتي وحينما جاء موعد الطعام لم أخرج من الصف لعدم وجود شيء أتناوله. أخرج هو – ساندويجة – كبيرة من حقيبته وهو يسألني عن عدم تناولي شيئاً هذا اليوم. شرحت الحالة المأساوية التي كنتُ أمر فيها ذلك اليوم . صمت قليلاً ومد يده لكي أخذ شيئاً من طعامه بَيْدَ أنني أكدتُ له مرات عديدة أنني غير جائع أبداً.

ظل يلح ويصر ويحلف لكي آخذ منه شيئا. كانت رائحة الطعام مغرية وتمنيت أن أتذوقها يوماً ما. وهو يصر ويلح مددتُ يدي كي آخذ منه شيئاً ولكنه في تلك اللحظة سحب يده بسرعة وتراجع الى الوراء وتحول وجهه الى لون الدم. بقيتُ مذهولاً كأن صاعقة سقطت على رأسي وشعرت بالدم يفور في جسدي وتلافياً للموقف صرختُ ” ..لاأريد طعامك” وخرجتُ راكضاً من الصف الى ساحة المدرسة كالمجنون لاأعرف ماذا أفعل. دون وعي ذهبتُ الى المدرس وأخبرته بأنني مريض جداً وأريد العودة الى البيت. الغريب أنه وافق وسمح لي بالخروج. حدثتُ والدتي في ذلك اليوم وسكتت ثم قالت – ألم أقل لك لا تأخذ منه أي شيء..هؤلاء لايعرفون ألأشياء كما نعرفها نحن في القرية – وأكدتُ لها أني لن أمس طعامه لو مت من الجوع.

 في اليوم الثاني جلب معه – نسخة ثانية من نفس الطعام لكنني لم أقبل أن أتناول من طعامه مهما حدث. أخرجتُ خبزي وبدأت أتناوله أمامه وهو يحاول إقناعي بأستلام ماكان قد جلبه لي ورفضت.

في مهرجان بابل عام 1987 كنتُ في فندق الرشيد في مطعم ريحانه وكان هناك عشرات المدعوين من مختلف أنحاء العالم لحضور ذلك المهرجان. كان لفريق العمل من الزملاء جناح خاص في الفندق – سويت –وكنا نتبادل المبيت هناك للسهر على متطلبات الضيوف.

 في حقيبتي الدبلوماسية عشرات الدفاتر الصغيرة التي نطلق عليها – كوبون الطعام- سعر الدفتر الواحد في ذلك الزمن 500  دينار أو مايعادل اليوم 500 ألف دينار. كلما يأتي ضيف أسلمه دفترا يكفيه لتناول ثلاث وجبات يوميا طوال ايام إقامته وحينما يذهب أستلم منه ماتبقى من الدفتر لأنه عملة تعود الى وزارة ألأعلام. لايمكن لأي ضيف أن يغادر دون أن أحسب عدد الوجبات التي كان قد تناولها والباقي أعيده الى الوزارة أو أدعو أي شخص يعجبني على حساب الدفتر.

في ظهيرة أحد ألأيام شاهدتُ شاباً وسيماً ومعه ثلاث فتيات يدخل ذلك المطعم. دققت النظر وإذا به نفس الطفل الذي منعني من تناول طعامه في تلك اللحظة المرعبة. أكملنا ألإعدادية معاً وذهب هو الى الجامعة التكنولوجية. في اللحظة التي جلسوا فيها جاء عامل المطعم بملابسه ألأنيقة السوداء وقدم لهم قائمة الطعام. قفزت نحو العامل وطلبتُ منه أن يعيد القائمة وينسحب. في اللحظة التي ذهب فيها صرختُ بصديقي ” ..أنتم ضيوف مهرجان بابل كم شخص معك ؟” صرخ وهو ينهض ” ..ماذا تفعل هنا؟” وبعد تبادل القبلات عرفني على زوجته وشقيقاته. فتحتُ الحقيبة الدبلوماسية وسلمتهُ أربع أوراق ملونه ثمن وجبة طعام كاملة وعددا مضاعفا من لون آخر للمشروبات الخفيفة . أخبرته أن يسلمها الى – الكاشير- ويقول له بأنه من ضيوف مهرجان بابل ووقعت على كل ألأوراق. تركته وأنا أحمل الحقيبة لأرافق وزير ألأعلام الصيني الى بابل.