جيل المواطنة

يقدم المقاتلون من كل الصنوف “جيش, حشد, بيشمركة, شرطة” صورة ناصعة البياض عن المواطنة كواقع وليس كمفهوم. يجب ان نعترف ان لدينا إشكالية في مفهوم  الوطنية لا في واقعها. من حيث المفاهيم نجد أن الهويات الفرعية (العشائرية, العرقية, المذهبية) تطغى في الغالب على الهوية الوطنية الجامعة والحاكمة لنا جميعا وهي العراقية، لكن من حيث الواقع فإن من قاتل ويقاتل اليوم في جبهات القتال وآخرها جبهة الموصل هم عراقيون ينتمون الى كل المحافظات والى كل العشائر والاعراق والأديان والمذاهب. هؤلاء جميعا قدموا ويقدمون تضحيات جسيمة لعل في المقدمة منها التضحية بالنفس وغير النفس فهم يقدمون صورا  للبطولة والمروءة يندر مثلها في الحروب. إن أبرز ما يمكن الإشارة اليه هو أسلوب تعاملهم مع المواطنين الذين كانوا خاضعين لسيطرة داعش. 
هذا هو المستوى الراقي من مستويات المواطنة الذي ينبغي التركيز عليه وتحويله الى منظومة قيمية, مجتمعية, سلوكية لا بد لها أن تجد سبلا مختلفة للتعبير عنها عن طريق وسائل الإعلام من خلال برامج وافلام ومسلسلات وقصص وروايات. والواقع أن البدء بعملية التركيز على واقع المواطنة التي تتحقق بأجلى صورها في الحروب يمكن أن يجد له صيغا للتعبير في المناهج التربوية بدءا من رياض الأطفال والتي بات الكثير منها بحاجة الى تغيير. كما ان هذا الواقع يجب ان ينعكس على البرامج السياسية خصوصا اننا مقبلون خلال الفترة المقبلة على انتخابات حاسمة. فمن غير المنطقي ان يتم تجاهل مثل هذه الصور التي يجري تسطيرها في ساحات القتال او استخدامها للدعاية الانتخابية من قبل طرف او تسقيط سياسي من قبل طرف آخر. إن المطلوب هو التعامل مع المؤسسة العسكرية والأمنية من قبل الطبقة السياسية على إنها خط أحمر ليس مسموحا استثماره من قبل أي طرف لدواع سياسية تحت هذه الذريعة أو تلك، ففي حال تحقق هذا الشرط فانه سوف ينسحب الواقع الذي يعبر عنه المقاتلون في جبهات القتال بوصفه التجسيد الفعلي للمواطنة على المفاهيم التي تشهد اختلالا بسبب زاويا النظر السياسية التي تطغى عليها الهويات الفرعية لا هوية المواطنة التي لم تعد بحاجة الى تنظير أو توافقات أو اتفاقات سياسية أو مؤتمرات فكرية او ندوات أو ابحاث.
جيل المواطنة الحقيقي اليوم هو الشباب الذي يضحي من اجل طرد اعتى عدو همجي يحمل افكارا تنتمي الى أشد عصور الظلام حلكة. ولعل اهمية هذا الجيل إنه وبدون تنظير ودراسات تمكن من فرز حقيقة هذا الفكر الظلامي وبالتالي فإن القضاء عليه بات يمثل واجبا وطنيا مقدسا يتفوق على كل الهويات الفرعية، فهذا الفكر حين يقتل باسم الدين ويغتصب باسم الدين ويستبيح الحرمات باسم الدين لا يفرق بين العراقيين على أساس الهويات الفرعية بل يسعى لتدمير الهوية 
العراقية.