من وحي نقاشاتنا

 

بعض ردود الأفعال على ما كتبتُ في مقالتيَّ الأخيرتين كانت حادّة، خصوصا من قبل أبناء المدن الذين أعرفهم في بغداد والبصرة والنجف والحلّة وغيرها. أحدهم كتب لي من مدينة البصرة قائلا إن مدينته كانت أجمل بكثير قبل 50 عاما، أي قبل النزوحات الكبرى من العمارة والناصرية. ثمّ نبّهني لمسألة مهمة هي انتقال الثقافة العشائرية للبصرة واضطرار أبنائها القدامى إلى مماشاة النازحين والتعاطي حسب مفهوماتهم وقيمهم حتى أنهم باتوا يتداولون مصطلحات كـ(الفصل) و(العطوة) و(راية العباس) وغيرها.
ثم يذكر أن أكبر (طلابة) تتم بين اثنين أو أكثر إنما كانت تتم بـ(النعل)، الزبيرية (الخرازة)، ومن ثم تنتهي برضا هذا وذاك. ولكن مع مجيء العماريين والناصريين، تغيّر الوضع فاضطرّ البصريون إلى البحث عن شيوخهم (المنسيين) وإعادة تشغيل مخيالهم القبلي النائم.
عراك أهل المدن بـ(النعل) طريفٌ فعلا، وقد ذكّرني فورا بمقالة رائعة لجعفر الخليلي كان نشرها في العدد الأول من (التراث الشعبي)، حيث يصف العراك بهذا السلاح اللطيف ويروي بعض مشاهداته الشخصية بهذا الجانب. من ذلك وصفه لعركةٍ جرت مع بائع خضار في سوقٍ شعبيّة؛ تتعالى الأصوات وتشتدُّ التهديدات بين البائع وخصمه. ثمّ في لحظة، يهرع البائع إلى داخل المحل، فيخيّل للواقفين أنه سيأتي بسكين أو توثيّة، لكنه يعود بعد لحظات وبيده (خيارة عطروزي)، ثم يقضمها وهو بغاية العصبية ويقول ـ سواني عصبي، خل أبرد أفادي (قلبي) بخيارة!
إنصافُ أهلُ المدينة يحتّم علينا الإشارة لهذا الجانب في التغيّر القيميّ الذي أحدثه الجنوبيون في محيطهم، فالأخيرون أبناء عشائر ومنظومتهم الثقافية ترتكز على الانتماء القبلي بكلِّ ما يعنيه هذا الانتماء. لهذا اصطدموا بعد نزوحهم للمدن بمنظومة أخرى تختلف، وان كانت تصدر عن جذر واحد هو الانتماء للعائلة. 
إن الأمر ليتضح بشكلٍ صارخ في بغداد، لاسيما في المناطق التي يسكنها المنحدرونَ من الجنوب، فهنا قد يُعيّرُ المرؤ ويستضعف إذا ما كان من دون عشيرة أو (عمام). ذلك أنه (مكطّم)، أي مقطوع الجذور. وليس لديه أخوة وأبناء عمومة يحمونه. ولهذا يضطرُ المسكين لأن (يذبِّ جرش) مع عشيرة مهابة، أي يدخل في حماها، فلا يداس له على طرف بعدها! 
حرب الاصطلاحات الثقافية المتبادلة بين أهل المدينة وأبناء الريف طريفة جدا. الجنوبيون والغربيون النازحون لبغداد والبصرة مثلا عادة ما يسمون ابن المدينة بـ(المدني) تارة وبـ(الحضري) أخرى. وهم إذ يطلقون هذه الكناية فإنهم يعنون بها قيمة سلبية وليس مجرد توصيف. المدني، بالنسبة لهم، مخنث و(أغيم) وقد يكنّونه بـ(بزر النستله)، على اعتبار أنه ضعيف البنية ومترف العيش. لا بل انهم قد يؤلفون عنه النكات والطرائف وأشهرها أنَّ شابا من (بزر النستلة) تعارك في يوم صائف مع أحدهم، وإذ وجد نفسه سيخسر الصراع، قال لخصمه ـ إذا أنت سبع تعال نتعارك بالفي!
الحال أن هذا الصراع شكلٌ من أشكال التعصّب الذي أشبعه العلماء بحثا ووضعوا له فرضيات شهيرة، منها: نظرية الصراع الواقعي بين الجماعات، ونظرية الصراع بين الريف والمدينة، ونظرية الحرمان النسبي. والأخيرتان هما الأقرب برأيي لتفسير حالة الصراع الثقافي المحتدمة بين النازحين وأهل المدينة. 
الأولى تفترض، بالأحرى، انه ما أن تجد جماعتان مختلفتان في المنظومة القيمية نفسيهما وجها لوجه في مكان واحد، حتى يتوهم كلّ منهما أن (الآخر) يهدده، اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا. وهنا تتكون مشاعر خوف وعدم ثقة بذلك (الآخر). ومن ثمّ، يبدأ صراعٌ رمزيّ حاد، تستخدم فيه كلُّ الأسلحة البلاغية المتاحة، بما في ذلك الأغاني والنكات والكنايات وإنتاج الخرافات التأسيسية.
عن طريق هذا الصراع، في الواقع، تتم قولبة (الآخر)، من قبل هذه الجماعة أو تلك، بجملة من الخصائص (المتدنية)، ومقابل هذه القولبة، ترسم صورة (رفيعة) للذات الجماعية. والنتيجة دائما شيوع تراتبيات متضادة عند الجماعتين: الريفي غيور والحضري فاقد للغيرة، الحضري متحضر والريفي همجيّ، الجنوبي سبع والبغدادي جبان، البغدادي نظيف والجنوبي وسخ، وإلى آخر الخصائص النمطية التي ربما أتوقف عند بعضها قريبا.