مالك بن نبي كما يراه عبد السلام الهراس






1.   مقدمة القارئ

حينما يُكتب للقارئ، أن يقرأ سلسلة المفكر مالك بن نبي كلّها، رحمة الله عليه، فيلخص بعضها، ويدرس أخرى بالنقد والتحليل، فإنه يبقى دائما في حاجة إلى من يزوّده بمعطيات شخصية عن المفكر، لتساعده على فهم واستيعاب فكره جيدا، وهذا مايلمسه القارئ، وهو يتصفح كتاب: "مالك بن نبي في ذاكرة عبد السلام الهراس"، تقديم الأستاذ: محمد البنعيادي، الطبعة الثانية، 1433 هـ - 2012، دار الشاطبية، الجزائر، من 53 صفحة.

 

  1. 2.   ملاحظات شخصية

الاحتفال بمولد المفكر مالك بن نبي: تمّ الحوار"إحياء لمئوية مالك بن نبي (1905 – 2005)"، وهذه لفتة حسنة، يُشكر عليها الأخوة في المغرب الشقيق، لأنها تعبّر عن الاهتمام بالحياة، ونبضها ونبعها، وهو عكس مايحدث في الجزائر، التي تحتفل بوفاة مالك بن نبي، المصادف لـ31 أكتوبر،من كل عام، فيضيع بالتالي الفكر والمفكر، في خضم الاحتفالات بـ 01 نوفمير، التي تطغى على غيرها من المناسبات. وهي فرصة لإعادة النظر في تاريخ الاحتفال، واستبداله بيوم ولادة المفكر، وإن كانت المناسبة لاتفي بحقّه وفكره.

 

عتاب الأحبة: من الملاحظات التي يقف عندها المتتبع، وهو يقرأ الكتاب ويعيد قراءته للمرة الرابعة، أن الأستاذ: عبد السلام الهراس، عاتب المفكر مالك بن نبي، في بعض المحطات، من اللحظة التي يعيشها، ويقدّم من خلالها الحوار، وليس من الظروف التي عايشها بن نبي وعايشها معه، والمتمثلة خاصة في التخلف، والجهل، والجوع، والاستدمار.

 

الظروف المحيطة بالفكر والمفكر مالك بن نبي: يتحدث عبد السلام الهراس عن ظروف الخمسينات، التي تعرّف فيها عن أستاذه مالك بن نبي، والتي امتازت بنكبة فلسطين. والانقلاب العسكري في مصر، سنة 1952، الذي يرى فيه، أن الولايات المتحدة الأمريكية كانت من وراء الانقلاب. والثورة الجزائرية، وانتشار القومية العربية، والبعث العربي، الذي أضيف له فيما بعد الطابع الاشتراكي،  وكلها عوامل ساهمت في بناء شخصية بن نبي، وفكره.

 

عرب الأمس وعرب اليوم: كنا نلتقي  بإخواننا العرب، كانوا بسطاء طيبون، نيتهم طيبة ولكنهم مغفلون، فكر غير عميق، عاطفيون مندفعون.

ونفس الصورة التي ذكرها الأستاذ عبد السلام الهراس عن العرب في الخمسينات، مازالت راسخة لم يتغيّر منها شيء، رغم التطور العلمي والمعرفي، والحالة الاجتماعية، وطرق الاتصالات والمواصلات.

 

عتاب قارئ: لم يفرّق المحاور بين أفكاره وأفكاره بن نبي، وجاءت كلمته متداخلة، يصعب على الذي لم يقرأ كتب بن نبي أن يفرّق بينها، وربما عُذرهُ في ذلك، أن طبيعة الحوار تطلبت ذلك.

 

أدب التلميذ، من آداب الأستاذ: يقول التلميذ عبد السلام الهراس، عن أستاذه مالك بن نبي، أنا خالطته سنتين 02 كأني عشت معه أربعين سنة. ويقول عنه كذلك، أين نحن منه في صلاحه وعفته وفكره. وقال أيضا، ومالك بن نبي مابيني وبينه من المحبة شيء يفوق التصور. وهذا أدب سامي، يُحمد لصاحبه، ويُذكر به، ويأخذ منه إذا تحدث عن الكبار.

 

نبوءة بن نبي تتحقق: كان بن نبي يقول: إن الصين سوف يكون لها مستقبل كبير جدا. وهو أول من دعا إلى مؤتمر نسائي عربي.

وإذا أراد القارئ، أن يقف على عظمة مالك بن نبي، عليه أن يعود إلى الفترة التي قال فيها هذه النبوءات، والتي امتازت بالجهل، والتخلف، والاستدمار، والجوع.

عتاب عبد السلام لعلاقة مالك بن بعبد الناصر: يتطرق الأستاذ عبد السلام الهراس إلى العلاقة القائمة بين المفكر مالك بن نبي، وعبد الناصر، ويقول بشأنها: ولقد أُخذ على مالك انه أشاد بعبد الناصر، ونسي أن ظروف جمال عبد الناصر ليست هي ظروف صلاح الدين الأيوبي.

 

والسبب الرئيسي حسب عبد السلام الهراس، أن عبد الناصر عسكري، والعسكري إذا انتقل من مهنته العسكرية إلى السياسة تعسكرت السياسة ولم يعد لها من السياسة شيء، وهو عسكري رئيس في السياسة، والعسكري لايصلح له إلا أن يكون مرؤوسا.

فهو لايعاتب بن نبي على تعلقه بعبد الناصر، إنما يعاتبه لكونه، لم يفهم حقيقة عبد الناصر، المتمثلة أساسا في كونه عسكري.

 

والمتتبع للكتاب، يلاحظ أن الأستاذ عبد السلام الهراس، استمد نظرته للعسكر، وبالتالي انتقاده لعلاقة بن نبي بعبد الناصر، من خلال نظرته لعبد الناصر العسكري. واقرأ أقواله في العسكرفي نفس الحوار: "العساكر ليس لهم فكر". "حكم العسكر نكبة على الأمة". "العسكر يمثلون قمة الانحطاط". "العسكري لايصلح له إلا أن يكون مرؤوسا".

 

 

ذاكرة الأمة من ذاكرة مفكريها: أبرز مايميّز الكتاب، أنه يتطرق للحياة الشخصية للمفكر مالك بن نبي، وفائدتها تكمن في الوقوف على الأسباب الحقيقية التي دفعت بالمفكر إلى اتخاذ هذا الموقف أو ذاك، خاصة وأن الحياة الشخصية التي ذكرها الأستاذ عبد السلام الهراس، لم يتطرق إليها بن نبي في كتبه، ومن هنا كانت أهمية قراءة وإعادة قراءة هذا الحوار الصادق الوفي.

 

بقيت الإشارة، أن الأستاذ عبد السلام الهراس، في حواره لم يقدم جديدا، حول فكر المفكر مالك بن نبي، لمن قرأ كل كتبه، لكنه قدّم الجديد، فيما يخص حياته الشخصية، وفعلا ساهمت في تسليط الضوء على بعض الأفكار، والمواقف. فألف شكر وتحية، للأستاذ عبد السلام الهراس، على ماقدّم وأوجز.

 

 

  1. 3.   أفكار بن نبي

تطرّق الأستاذ عبد السلام الهراس، لأفكار المفكر مالك بن نبي، رحمة الله عليه، فجمعها في التالي:

 الاستعمار هو عرض فقط، والمرض هو القابلية للاستعمار، ويجب قبل كل شيء أن أزيل من وجداني ومن نفسي ومن روحي القابلية للاستعمار. وبناء الأمة يكون على أساس تطهير النفس من القابلية للاستعمار، لذلك كان بن نبي، يفرق بين الاحتلال الذي تعرضت له ألمانيا واليابان، والاستعمار الذي تعرّضت له الدول العربية والإفريقية. وكان يردد كثيرا قوله تعالى: "إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ"، الرعد - الآية 11.

  

ويرى أن الإنسان صانع الإنتاج، وهو سر الحضارة. وصناعة الحضارة هي ارتباط الإنسان بوقته وترابه.

 

والتغيير النفسي يبدأ بالثقافة، والثقافة عنده تعتمد على: منظومة أخلاقية، وعنصر الذوق، والجمال، وعنصر العلم.

 

ويقول: إننا لانحتاج إلى تجديد العقيدة وإنما نحتاج إلى تجديد الصلة بالله. وعندما تتكلم وتتلفظ بالقرآن يجب أن تتلوه عبر قلبك وعبر أعصابك وعبر عقلك وعبر جميع كيانك.

 

وعن العلاقة بين الحق والباطل يقول بن نبي: أنا لاأحارب الباطل إلا بنصرة الحق وإظهاره، فإن الباطل كان زهوقا من تلقاء نفسه. واظهر الحق يزهق الباطل. اتقن حقّك، بيّن حقّك، وكن مؤمنا بحقّك. وظهور الباطل بسبب تفريطك في حقّك، وباطل الآخرين بسبب ضعفك وابتعادك وتركك الفراغ لباطل يعيث في الأرض فسادا.

 

وعن المرأة يقول: قضية المرأة الأجدر بأن الذي يتكلم فيها هي المرأة. وأحق الناس بدراسة المرأة هي المرأة نفسها، ومن الغلط أن ندرس مشكل المرأة بعيدا عن مشكل الرجل، لان المشكل مشكل امة، مشكل إنسان. إن المرأة ينبغي أن تهتم هي بنفسها وتدرس علاقتها بالرجل في منظومة واحدة.

يرى بن نبي: لولا عظمة الإسلام وقوة الإسلام لسقط الإسلام والمسلمون منذ زمن بعيد. وبيّن أن شروط النهضة موجودة في الوقت والتراب، فعلينا إيجاد تربية الإنسان على أساس قراني روحي الذي يمزج الإنسان والتراب والوقت.

 

 امتاز مالك بن نبي، بصياغات وإضافات، وقدّم الجديد من الناحية المنهجية، فتوجه نحو دراسة الذات ودراسة الخارج، وحلّل أسباب قيام الحضارات وأسباب سقوطها، وحاول أن يقدم بناء الحضارة انطلاقا من معالجة الداء في جوهره، لاالانشغال بالأعراض والمظاهر. ويرى أن للحضارة مراحل ثلاث:عصر الروح ثم عصر العقل ثم عصر الشهوة والغرائز.

 

  1. 4.   الحياة الخاصة للمفكر مالك بن نبي

كان المفكر مالك بن نبي، فقيرا لايملك شيئا، مجهولا لايعرفه أحد. كان مستشارا للسادات، حين كان رئيس مجلس الشعب، والأمين العام للمؤتمر الإسلامي بالقاهرة.

 

إن الرجل كان مطلعا على التراث الإسلامي، مطلعا على القرآن، كان يقرأه بالعربية وبالفرنسية وكان له ارتباط ببعض العلماء في الجزائر. كان يعرف علماء أجلاء، لم يكن من الحفاظ للقرآن الكريم والحديث، لكنه كان يستمد من الوحي والحديث. كان له  تأشيرة الدخول إلى قلوب الناس وعقولهم. كان  بسيطا جدا، بساطة تامة. كان  بن نبي زاهدا.

 

عنده جانب في شخصيته لاتمسه، عنده مسلمات، عنده منطقة حظر. كنا نناقشه ونحاكمه  ويخضع مالك للحكم وينفذه وهو راض. كان كثير الحذر. فيه  عزة نفس قوية جدا .. كثير الحياء، واسع العلم والصلاح والعفة والورع تجاوزنا بكثير. لم يكن موافقا على العنف، ويكره العنف ويؤمن أن التغيير ينبغي ان يكون سليما، وإذا كان العنف فلرد الاعتداء.

 

  1. 5.   استفادة مالك بن نبي من الفكر الغربي والشرقي

إن المرجعية الإسلامية أساسية في تركيبته وفي تفكيره إضافة إلى اطلاعه الواسع على الثقافة الفرنسية وعلى ماكتبه الانجليز، وكان له اطلاع واسع على مايكتبه الأمريكان والألمان، لأنه كان يعيش منذ ثلاثين سنة في فرنسا، فكان في قلب الثقافة الغربية بباريس، ولكن دائما منطلقه الأساسي إسلاميا. كان يتعامل مع الفكر الغربي تعامل المؤمن الصادق، فينتقي مايراه مناسبا ويدع مالا يراه مناسبا وينتقده، ولم يكن مستسلما للفكر الغربي. منطلق بن نبي  منطلق إسلامي بحت، لكنه استفاد من الغرب وتطور أفكاره.

 

وفي نفس الوقت، استفاد مالك بن نبي أيضا  من الحضارة الشرقية، الممثلة في غاندي وطاغور، واستشهد كثيرا بأقوال طاغور.

 

بن نبي، لم يكن معجب بالثورة الثقافية الصينية، ولكنه ماكان موافقا لماوتسي تونغ، إنما أعجب بالطريقة التي أخرج فيها الصيني من الأنقاض. وكان يرفض العنف الذي اتبعه ماو تسي تونغ.

 

منطلق مالك بن نبي منطلق إسلامي بحت ويعزز آراءه بآراء أخرى يأخذ حكمتها من الشرق ومن الغرب، ولذلك تراه يستشهد بمفكرين وفلاسفة ومؤرخين من الغرب: فرنسا، ألمانيا، انجلترا، ومن الهند والصين وروسيا ثم يطورها ويحلها محلها اللائق.

 

  1. 6.   بن نبي ومؤتمر باندونغ

مالك بن نبي فلسف فكرة المؤتمر الذي كان يحتاج إلى أسس فكرية، وكان يرى أن هناك عناصر مشتركة بين الإسلام وبين البوذية والكنفوشيوسية وبين الهندوسية أي الجانب الروحي والجانب الأخلاقي.

 

  1. 7.   الوحدة عند مالك بن نبي

حسب رأي الكاتب، فان بن نبي بحد ذاته، يمثل مشروع وحدة، بين المذاهب والطوائف، شريطة احترام الخصوصيات، وأن تكون بعيدة عن الطائفية، لذلك أحبّه المغاربة، والمشارقة، والناس أجمعين.