الغزو الامريكي لافغانستان عام "2001"والعراق فيما بعد"عام 2003" ، لم يأت اعتباطا من دون تخطيط مسبق او نتيجة تخبط سياسي غير مسؤول لادارة"جورج بوش الابن"واقطاب الصقور من الحزب الجمهوري زعماء"الصليبية الجديدة"كما كان يطلق عليهم البعض ، ولم يكن رد فعل عفوي لاحداث الحادي عشر من سبتمبر"2001"الدامية او من اجل نشر الديمقراطية في بلدين يحكمهما نظامان قمعيان ومتطرفان"دينيا"و"قوميا"، كما يتصوره البعض ، بل ارى ومعي الكثير من المتتبعين للسياسة الامريكية في المنطقة ، ان الغزو جاء وفق برنامج متكامل وخطة محكمة اعد لها في اروقة اعلى واضخم مراكز البحوث والدراسات الاستراتيجية ، وليس وفق اهواء متقلبة لزعماء متطرفين كما عند قادة عرب ومسلمين ، فمن غير المعقول لارقى دولة في العالم علما ومعرفة وسياسة وثقافة وحضارة ان تقدم على عمل عسكري من دون ان تخطط له تخطيطا دقيقا وتحسب له الف حساب ، كما تفعل الان مع القضية السورية ، فمنذ بداية اندلاع الثورة الشعبية السورية وهي تصرح بضرورة التدخل لصالح المعارضة وتسليحها ولكنها تتلكأ وتتراجع في اللحظة الاخيرة بحجة ان التدخل في الشأن السوري (مهمة ضخمة كلفتها بلايين الدولارات وقد تعود بنتائج عكسية على الولايات المتحدة) .. ان من يظن ان امريكا والدول الغربية تشبهنا في التفكير والتحليل والتخطيط سيكون ساذجا وجاهلا لا يفهم طبيعة العقل الغربي التي تختلف كليا عن طبيعتنا البسيطة العاطفية الهائمة في ملكوت الماضي السحيق ، ولا يدرك مغزى انسحاب القوات الامريكية من العراق في منتصف الطريق وقبل ان تكمل مشوارها في نشر الديمقراطية في ربوعه وحل مشاكله وازماته الطائفية والعرقية التي يعاني منها الان ، ولا يعرف لها حلا ، وكيف انها قامت بتسليم مقاليد الحكم للاحزاب الشيعية"الطائفية"على الرغم من معرفتها التامة بتبعية معظم هذه الاحزاب لايران"العدوة المفترضة لها !" فكريا وسياسيا ، وسوف يرتمي العراق في حضنها ويكون ضيعة تابعة لها ، وكذلك الامر بالنسبة لافغانستان ، فقد ازالت نظام"طالبان"السني الذي كان يشكل تهديدا دائما للنظام"الشيعي"في ايران ويؤرق راحتها ويعوق انتشارها ، هل توجد حالة تخبط في كلتا الحالتين؟ ، ربما يظنها البعض كذلك ولكن ان دققنا النظر جيدا نرى ان امريكا والدول الغربية معها قامت بذلك عن قصد وغاية مبيتة ، فهي تحاول ان تضع حالة من التوازن الدقيق بين القوتين المتصاعدتين"الشيعة والسنة"في منطقة الشرق الاوسط ، لكي يستمر الصراع بينهما لاطول فترة ممكنة ، فعندما ظهرت علائم الصحوة الاسلامية السنية في العالم الاسلامي بداية الثمانينات وبرزت احزاب وقوى سياسية"سنية"في الساحة السياسية ، وشكلت تهديدا مباشرا على مصالح الدول الغربية واسرائيل على وجه الخصوص في المنطقة ، كان على هذه الدول ايجاد قوة مضادة لهذه الصحوة على شاكلتها ومن داخل المنظومة الاسلامية نفسها او المحسوبة عليها ، وقدمت الثورة الايرانية وشعارعا الخالد"تصدير الثورة"وانتشار الصحوة الشيعية في المجتمعات التي يتواجد فيها الشيعة مثل لبنان واليمن والعراق وافغانستان و ..وما اعقبهما من تشكيل مجاميع وميليشيات مسلحة على اساس طائفي ، وكانت فرصة ذهبية لا تعوض لهذه الدول"الغربية الاستعمارية"لاستغلال الاختلاف العقدي الديني لصالحها وكما استغلت الصراع القومي القومي لفترة طويلة ابان تحرر البلدان الاسلامية من ربقة الاستعمار الغربي وغذت الايديولوجيات الشوفينية المتطرفة مثل الكمالية في تركيا والبعثية في البلدان العربية وساهمت بشكل كبير في دفع القوميات المختلفة الى التقاتل والتصارع الدموي فيما بينها ؛ العرب مع الكرد والبربر والترك مع الكرد ، والان جاء دور الصراع السني الشيعي ليزيد الشرخ في المجتمعات الاسلامية اكثر ويضعها على حافة الانهيار ، وقد يستمر هذا الصراع الطائفي الى اجل غير معلوم .. والى ان تتحقق اهداف القوى الغربية في تقسيم وتفتيت المجتمعات الاسلامية وفق مخططات استعمارية جديدة مشابهة لمخططات "سايكس بيكو"السيئة الصيت ..
مقالات اخرى للكاتب