الرواية يكتبها الروائي، والقصيدة يكتبها الشاعر، واللوحة يرسمها الفنان، ذلك ما اعتدنا عليه وعرفناه، على مر العصور، فتعجب بهذه ولا تعجب بتلك، ولكنك تتفاجأ حين يخبرك المسعودي في مروج الذهب أن هنالك قصائد للجن قالوها فتداولها الناس جيلاً عن جيل وابن عن أب.
هل تعقل ذلك، وهل تستسيغ أبياتاً من الشعر قالها جني لم تره ولم تشعر بوجوده، ولا علاقة له بك أو لك به، الا ما تنــــاقله الرواة وأنت بين مصدّق ومكذب، والى الكذب اقرب منه الى الصدق!
ثمة في تاريخنا العربي، والادبي منه على وجه الخصوص ما لا يقبله عقلك ولا يستقيم مع قناعاتك، صحيح كما يقولون انه كان يوماً ما واد من وديان الجزيرة العربية اسمه وادي عبقر هو موطن الجن ومكان معيشتهم وتنقلهم بين أحضانه، ومنه انطلقت تسمية (العبقري) نسبة الى هذا الوادي، ولكنك بالمقابل لا تقبل أن يكون بين الجن شاعر ينقل لك احاسيس ومشاعر بين جنسه.
وذلك ما تحفل به بعض كتب الادب ومنقولات الرواة بعد عصر التدوين والانتقال من العصر الشفوي الى العصر الكتابي.
ثم انه اذا كان الشعر الذي قاله البشر مشكوكاً به، كما فعل طيب الذكر طه حسين فكيف لك أن تقبل شعراً قاله أبناء الجن والعفاريت. ولعل أطرف ما يذكر في هذا الباب الشعر الذي يقول:
وقبر حربٍ في مكانٍ قفرُ
وليس قرب قبر حربٍ قبرُ.
ويبدو لي أن مثل هذا البيت الذي لا يستطيع قائله أن يذكره لثلاث مرات متتالية دون أن يخطأ هو من تأليف رواة المجالس في البلاطات، ومما يتداولونه مع الملوك والامراء والاثرياء في مجالسهم الخاصة يوم لم يكن هناك من وسائل للهو والمتعة سوى سرد قصص وحكايات من هذا النوع مما لا يقبله العقل ولا يستسيغه المنطق، فكثر تأليـــــف هذا النوع من فن الشعر وفن القص خاصة مما كان يتقبله الواقع الاجتماعي آنذاك، وهنالك الكثير الكثير مما تحفل به كتب التـــاريخ الادبي من هذا النوع من الكلام، مما أصبح حطاماً هائلاً من اللغو الذي لا يغني ولا يسمن من جوع!
مقالات اخرى للكاتب