صعدت الباص الصغير متجهاً من منطقة الى اخرى بعد أن سألت (السكن) عن وجهة الباص وللعلم فان مفردة (السكن) بكسر السين والكاف تعني مساعد السائق، أو الرجل الثانوي مأخذوة من كلمة (سكند) بالانكليزية، فحرفناها وحذفنا منها الدال، وجعلناها مفردة عامية تعني الشخص الذي يساعد سائق المركبة في جباية الاجرة والنداء عن وجهتها. ليس هذا ما أريد أن أقوله هنا، ولكني وجدت على الكرسي الجانبي ورقة مطوية مكتوبة بقلم الجاف هذا ما جاء فيها:
حين كان راتبي يعادل ثلاثة أو أربعة دولارات كنت تستلم ايها السياسي القادم الينا من بلاد الغرب مئتي دولار من اموال الشعب العراقي كراتب شهري لك، ضمن صيغة اللجوء الانساني الذي يتم استقطاع مبالغة من مبيعات النفط العراقي وفق ما اصطلح آنذاك على تسمية بمذكرة النفط مقابل الغذاء والدواء.
كان راتبي الشهري لا يسدّ رمق يوم أو يومين، وكنت اعيل عائلتي من خلال عملي خارج الوظيفة وبعد انتهاء الدوام الرسمي كسائق لسيارة اجرة يمتلكها جاري ونتقاسم نحن الاثنان واردها اليومي بعد اخراج نفقات المركبة من بنزين وزيت وتصليحات اخرى اذا استوجب الامر ذلك، وكان اقراني يعملون بمهن اخرى كثيرة في البناء وبيع الخضروات أو عمالاً في محلات بيع المواد الغذائية أو معامل المنظفات والصوابين والمعاجين!. وحين حدث ما حدث، جئت الينا حاملاً معك رايتك المهلهلة واحتسبت خدماتك الجهادية في الوظيفة التي صرت تمتلكها لأنك مجاهد مع المجاهدين وأنا قاعد مع القاعدين، رغم أنك كنت أفضل مني ومن الملايين مثلي، فأصبحت تمتلك راتباً على عدد سنوات خدمتك في الغربة ذات المئتي دولار، وبقيت أنا أتلظى على الضيم المضاعف الذي اصابني وأصاب من هم على شاكلتي فقررت أن اكتب هذه الرسالة التي أرجو أن يقرأها سواي لعل مصيبته مثل مصيبتي.
الى هنا وانتهت الرسالة، دون توقيع باسم كاتبها ودون أن يحدد عنواناً أو مكاناً أو تاريخاً، ولذلك قررت حين انزل من الباص أن أحرقها قبل أن أحرق نفسي!.
مقالات اخرى للكاتب