لم أسمعه من مقاتل في الحشد حتى يتهم بأنه يتحدث لمصلحة طرف داخلي أو خارجي، ولم أقرأه في أحد مواقع التواصل الاجتماعي التي ينشر فيها بعض روادها ما يرون دون تمحيص، بل سمعته بأذنيَّ ورأيته بعينيَّ على إحدى الشاشات المتهمة بدعم داعش تحديدا. تقرير بثته قناة الجزيرة الممولة من الحكومة القطرية من مكان الحدث، وفيه تحدث المعنيون. الحدث هو مسير عربات تقلّ مقاتلين من داعش ومعداتهم، عبر طريق «آمن» يربط مدينة الموصل العراقية بمدينة الرقة السورية مخترقاً الحدود الدولية التي باتت
مستباحة.
المكان هو منطقة قريبة من مدينة سنجار العراقية ومن رابية يتمركز عليها جنود من البيشمركة الكردية، يراقبون عشرات السيارات والشاحنات التي تقل عناصر داعش ومعداتهم العسكرية دون أن يتحركوا ضدها. يقول أحد عناصر البيشمركة للمراسل إن الاوامر التي لديهم تقضي بعد ابداء أي ردّ فعل حيال داعش. عنصر آخر يقول إن مجموعة من البيشمركة تحرت يوما وقطعت الشارع لكن التعليمات جاءت لهم بالانسحاب فورا والاّ فان «طائرات التحالف ستقوم بقصفهم». وامام كاميرا الجزيرة كانت عشرات الشاحنات التابعة لداعش تمرّ بأمان
تام.
مثل هذا الامر يعطي المصداقية للكثير مما قيل عن أن طائرات التحالف تقدم دعما لمجرمي داعش في العديد من المناطق، خصوصا تلك التي تقع في حصار الجيش والحشد الشعبي في الاراضي العراقي المحتلة من قبل هذا التنظيم. هذا أيضا يعيدنا الى اعتراف وزير الدفاع الاميركي خلال جلسة استماع في لجنة الدفاع في الكونغرس الاميركي قبل شهور عندما سأله رئيس اللجنة عما إذا كانت واشنطن، بما تملكه من أقمار صناعية ووسائل مراقبة، عجزت عن رصد عناصر داعش عند تقدمهم باتجاه الموصل؟.
أجاب الوزير: نعم رصدنا ذلك. سأله: إذن لماذا لم نتدخل لوقف تقدمهم؟، أجاب الوزير: كان هناك اعتراض على الحكومة في بغداد من أطراف عراقية ولم نرد ان نعطي بتدخلنا ضد داعش توجيه رسالة بأننا ندعم الحكومة محل الاعتراض. هذا الجواب اعتبره البعض تعبيرا ملطفا عن حقيقة صارخة ربما مفادها ان دخول داعش كان مخططا له، ليستخدم ورقة ضغط على رئيس الوزراء آنذاك لدفعه الى التنازل عن الترشيح لولاية ثالثة. لكن السبب لم يكن فقط اعتراض أطراف سياسية عراقية على ذلك رغم استخدامه ذريعة لذلك. المالكي لم يعرف كيف يدير علاقته مع الجانب الاميركي، كان يرفض بعض المواقف الاميركية بشكل غير دبلوماسي، فنُظر اليه في واشنطن على أنه خارج دائرة التنسيق والتجاوب
معها.
السيد العبادي ربما تصرّف بوعي أكبر لأهمية التعاون مع الجانب الاميركي. مسؤول الملف العراقي في الادارة الاميركية «بريت ماغورك» قال أمام إحدى لجان الكونغرس بعد شهور من تولي العبادي رئاسة الوزراء ان «أداء العبادي حتى الآن مطابق لرؤيتنا». عندها كان التأييد لاجراءات السيد العبادي يصدر من أكثر من مسؤول أميركي. لكن عدم حصول تقدم في الاداء يرضي رؤى واشنطن، ربما يدفع الوضع العراقي باتجاهات مجهولة في ظل بقاء داعش وتمددها الى الرمادي بعد الموصل، وفي ظل سلوك التحالف الدولي الذي يبدو وكأنه يدير الصراع بين داعش والحكومة العراقية أكثر منه محاربا
لداعش.
مقالات اخرى للكاتب