تجارب الشعوب مشتركات انسانية ، وإرث مشاع ، تستفيد منها ، وتعتبر بها ، وان لم تنقلها حرفيا ، فهي حاضرة بمعناها وروحها سلبا او ايجابا ..
والعالم في تطور كبير ، و تظهر فيه باستمرار نظريات جديدة مختبرها الواقع ، توضح أسباب التقدم والتأخر ، والفقر والغنى والتفاوت بين الامم .. تؤكد او تنفي ما كان معروفا في السابق عن هذه الاسباب عند الشعوب …
وصحيح أن هناك تفاوتا بين الامم في الموقع الجغرافي والثروات الطبيعية ، ولكن ما هو مشترك هو الانسان ، فهو قادر على ان يوظف تلك العوامل في التقدم والنهوض ، أو يجعلها من عوامل التأخر والنكوص إن لم يحسن إستخدامها ، وعندها تتحول الى نقمة كما هو حال النفط عندنا ..
ولذلك يكون بناء الانسان هو المشروع الرائد والنافع الذي يتقدم على كل المشاريع المادية ..
وفي مقال سابق في صحيفة الزمان بتاريخ 12 تشرين الثاني 2015 تناولت فيه نظريةجديدة في علم الاقتصاد السياسي توصل اليها العالمان ( دارن اسيموغلو ) و ( جيمس روبنسون ) وهما اكاديميان متخصصان في السياسية والاقتصاد ، وتضمنها كتاب صدر لهما في الولايات المتحدة ، وخلاصتها ان النجاح والفشل بين الامم والدول ، ليس في تلك العوامل المرتبطة بالموقع الجغرافي او المناخ او الثقافة ، بل في المؤسسات السياسية والاقتصادية في الدولة ..
وقد أعادني اليها مرة اخرى هذا الحراك السياسي الدائر منذ مدة ليست بالقصيرة حول التغيير الوزاري ، دون التوصل الى نتيجة لحد الان ، وكأننا نقدم للشعوب خلاصة تجربة ، ينبغي أن تتعض بها ، وتستفيد من فشلها ، وهي المحاصصة كنظام في الحكم ، وكانت من العوامل الاساسية في التفرقة والتأخر والتناحر ، والخلافات والفساد ، والتدهور الامني والاقتصادي وفي معاناة الانسان ..
فالنفط مثلا يكون في دولة من عوامل التقدم في العلم والتكنلوجيا وتراكم الثروة وبناء الانسان عندما يستخدم الاستخدام الامثل من قبل المؤسسات السياسية في مجالاته الصحيحة ، ويكون في دولة اخرى من عوامل التراجع واشاعة ثقافة الفساد والخدر والتقاعس والاتكالية على الغير والعجز عن توفير ابسط وأعقد مستلزمات الحياة ..
فلا يمكن للدولة أن تتطور اقتصاديا وعلميا وتقنيا وفي كل المجالات ان لم تكن هناك مؤسسات سياسية بمستوى هذه المهمة ، تتولى هذا المشروع فهي أساس النجاح أو تكون وراء الفشل … ومنها يبدأ الاصلاح .. وتلك هي خلاصة تلك النظرية القائمة على التجربة ..
وتجربة اخرى تذكرها وهو يتابع هذا الحراك السياسي المصحوب بخلافاتت بين الكتل السياسية ، ويسأل نفسه كيف سيكون الحال اليوم لو كان العراق بنفوس الهند ، وتركيبتها السكانية المعقدة مثلا ؟ ولماذا تعززت تجرية الهند بمرور الزمن لتصبح من التجارب الرائدة في العالم ،على عكس تجربة المحاصصة في العراق ومن يسير على نهجها ، مع الفارق الكبير بينهما في النفوس والتكوين الاجتماعي والديني والقومي والاثني ….؟؟
لقد شهدت الهند تجربة ديمقراطية رائدة ، لم تدمرها تلك التعددية.. ولم يفكرمؤسس الهند الحديثة ، جواهر لال نهرو ، بان تكون الدولة الديمقراطية على مقاسات الاشخاص والمكونات والأديان ، والاحزاب ، وإنما على مقاس الوطن ، وبما يحافظ على وحدته واستقلاله وسيادته ومستقبل أبنائه ، ولذلك كانت سيرته واعماله مرجعا للهند الى يومنا هذا ، وبناء تجربة متميزة لها مكانها بين التجارب العالمية …
اما في العراق فان الشعب يعيش في ظل عملية سياسية ، أرسى اسسها المحتل ، الحالكم المدني بول بريمر ، تقوم على المحاصصة ، وقد استمرأ البعض هذه اللعبة والامتيازات والمناصب والثراء دون أن يعبأ بنتائجها الخطيرة على أمن المواطن وسعادته ووحدة الوطن ، ونموه الاقتصادي ونهوضه في المجالات كافة ..
وماليزيا هي الاخرى قدمت تجربة ناجحة رغم انها كانت صعبة بسبب تعقد وتعدد الاعراق والاديان ، ولكن رغم ذلك استطاع الجميع ان يضعوا خلافاتهم جانبا ، ويهتموا بنهضة ماليزيا ، على حد ما يوضح مهاتير محمد رئيس وزراء ماليزيا الاسبق الذي حول بلاده الى نمر اقتصادي قوي وتكون نموذجا ، وتجربة يحتذى بها ، ويشار اليها من بين التجارب الفريدة في التنمية والبناء وتعبركل التحديات بنجاح ..
تجارب الشعوب لها قيمة كبيرة ، تعطي دروسا في اسباب الفشل والنجاح .. ومنها تستفيد ، وتأخذ العبرة والفائدة …
{{{{{
كلام مفيد :
علاج الجاهل التجاهل ..
مقالات اخرى للكاتب