صحفي من الجيل القديم ينظر له تلاميذه وزملاؤه بأنه صاحب الفضل في ابتكار طريقة "الدغدغة" بكتابة العمود ، من اعتمدها نجا من المساءلة والعدالة ، ومن خالفها سيواجه المزيد من المشاكل قد تحيله الى القضاء ، ويفقد عمله ودخله الشهري الثابت المصاب أصلا بالعجز ، يعالجه بالقروض بعيدة وقصيرة المدى وفي بعض الأحيان يستغل علاقته الوطيدة مع قسم الحسابات في الجريدة ، لمنحه نصف الراتب ، واصرف ما في الجيب، يأتيك ما في الغيب.
طريقة "الدغدغة " في كتابة العمود استعارها الصحفي المتقاعد حاليا من مهنة المتاعب، من مشاهير الكتاب العرب ، وتتلخص بالابتعاد جهد الإمكان عن ذكر اسم المسؤول لتفادي نفوذه وسطوته والإشارة الى صفاته وموقعه بالتلميح ، ويفضل قبل الشروع بتوجيه النقد وتشخيص المشكلة ثم الفضح والتفصيخ ، الابتعاد عن اطلاق النار بشكل مباشر ، ويظهر الكاتب كأنه يحمل توثية عيار 180 ملم ينتظر اللحظة المناسبة ليوجهها الى رأس المسؤول وحينذاك ، تبرز مشكلة حبالها طويلة من نوع الجنب ،وربما تتفاعل فتندلع أزمة سياسية ، والمنطقة العربية بيئة ملائمة للنكبات ، منحت صاحب السلطة صلاحيات واسعة تصل في بعض الأحيان الى فرض عقوبة الإعدام بحق من صدق أكذوبة حرية التعبير بتهمة تهديد الأمن القومي وتنفيذ مخطط خارجي يسعى للإطاحة برأس النظام .
صاحب نظرية "الدغدغة " يرى العمود الصحفي ذا الهجوم المباشر "شيلمانة " يبحث كاتبها عن اللحظة المناسبة للتخلص من أعباء ثقلها ، فيرميها في اقرب مكان ليحاكي بطل قصة المثل الشعبي عندما أراد نشر البخور في صريفته فاحرق دشداشته الوحيدة ، وتجرع خيبة الحرمان من التمتع بليلة شتائية قضاها بمعالجة حروق بليغة ، لا تنفعها دغدغات الزوجة وكلمات الغزل الخجولة والتشجيع على الصبر وتحمل الألم .
مناسبة الحديث عن العمود الصحفي من نوع "الدغدغة والشيلمانة" حضورها الكبير في الصحف اليومية ، فأثار انتباه الصحفي المتقاعد ، وقال عنها بانها" نص ردن" لا يتعدى تأثيرها صفحة الجريدة ، مذكرا محدثيه بان اثنين من الكتاب في زمن النظام السابق ، هما حسن العاني وحاتم حسن صدر بحقهما من ديوان رئاسة الجمهورية امر يقضي بمنعهما من الكتابة من دون بيان الأسباب ، وما كان سائدا في ذلك الوقت ان بعض المسؤولين السابقين كانوا يحرصون على قراءة ما ينشر ، وربما قرأ احدهم ما كتبه العاني وزميله فانزعج واستخدم نفوذه وصلاحياته فأوصى بإخضاعهما تحت طائلة البند السابع .
المسؤولون اليوم من كبيرهم الى صغيرهم لم يختلفوا عن السابقين بجعل مكاتبهم الإعلامية مختصة بإرسال برقيات التهاني والتبريكات الى القيادة الحكيمة بمناسبة افتتاح جسر في ناحية الشوملي وتوجيه رسالة الى النازحين والمهجرين، مع كيلو عدس تضامنا مع معاناتهم الإنسانية، مثل هذا المسؤول لا تنطبق عليه نظرية "الدغدغة" ويستحق رميه بشيلمانة بطول تسعة امتار ، على حد قول صحفي كان ضيفا في "العمود الثامن" برنامج اسبوعي تبثه قناة الحرة عراق يتناول الأعمدة المنشورة في الصحف المحلية .
مقالات اخرى للكاتب