رحل يوم أمس المناضل الكبير والمخلص لشعبه وللإنسانية نيلسون مانديلا عن عمر ناهز التسعين ، ولأن الرجل كان مخلصا لشعبه ومتواضعا ومحبا لفقراء أمته وزاهدا حتى في كرسي الحكم وهو الذي أجبر أعداءه العنصريين للتنازل عن الحكم لصالح شعب جنوب أفريقيا ، وقدم هذا البطل من أجل الحرية الكثير من التضحيات ومنها 27 سنة أمضاها في سجون الحكومة العنصرية البيضاء ، ومع ذلك فقد برهن نيلسون مانديلا أن من يريد أن يكسب حب ومودة الشعب ويختطف قلوبهم عليه أن يتفانى من أجلهم ويخدم مصالحهم ، وأن لا يعمل لذاته ومصالحه وحزبه وحفنة من الحواشي والمتطفلين . يظن الطواغيت الصغار والكبار أن الاستحواذ على كرسي الحكم والتمسك به على حساب بؤس الفقراء والمعدمين وسرقة قوتهم ليتنعموا به ، يظن أؤلئك الخائبون أنهم قد حققوا نجاحا في حياتهم وأن استغفالهم للأمة وتمسكهم بالسلطة مع فشلهم وفسادهم يضعهم على سلم المجد ، أبدا أن هؤلاء واهمون ، لأن نيلسون ما نديلا الذي رفعه شعبه على الأكف ووضعوع على رأس السلطة ، أدرك أن الدخول إلى قلوب الناس وسلم المجد والخلود هو الزهد في السلطة ودفع كرسي الحكم بعيدا ولذا فإنه تنازل عن السلطة بعد سنوات قليلة ليربع بعد ذلك ليس على كرسي العرش وأنما تربع على عرش قلوب الملايين من أبناء شعبه .
لم يكن غريبا أن يحزن العالم بأسره على رحيل مانديلا ، فالعالم حزن بعد أن أدرك أن الرجل في تواضعه وزهده بالحكم وحبه لشعبه قد رسم لوحة رائعة للقائد المضحي من أجل الآخرين ، لقد ترك وراءه الكثير من المباديء الإنسانية التي يحتاجها العالم ، مباديء الإنسانية في حاجة إليها في زمن هوس الطواغيت والوصوليين والحكام الفاشلين بدنيا المناصب وامتيازاتها .
إن حياة مانديلا تجعلنا نحن في العراق نتساءل بألم ، كيف لهذا الرجل غير المسلم والذي لم يتربى على مباديء الرسول الكريم ولم يرتشف من معين أهل البيت كيف يخرج لنا نتلك الحكمة السياسية وبكل ذلك الخلق الاجتماعي الرفيع ، وكيف استطاع أن يمتلك مواصفات القائد الإنساني التي أوصى بها الرسول وأهل البيت ، إلى درجة اختطف بها ليس قلوب شعبه وأمته وحسب بل قلوب شعوب العالم وقادتها ونحن منها. وكيف لقادتنا الذين تربوا على مباديء الرسول وشربوا من معين أهل البيت فشلوا في أن يمتلكوا شيئا من مواصفات القائد الرباني ، وسقطوا على هاماتهم في برك الفساد والفشل والغرور ، ولفرط هوسهم بحب السلطة وكرسي الحكم وسرقة المال العام أصبحوا حملاً ثقيلا على كاهل الأمة ، ينتظر يوم الخلاص في يوم يستطيع فيه أن يرمى ذلك الثقل القاسي الذي لم يزل يريم على قلوبهم ويجثم بثقله على صدورهم .