سألني صاحبي: أين ينمو التطرّف؟ ووجدته سؤالاً وجيهاً ونحن نعيش في ظلّ مرحلة زمانية شعارها التطرّف. كنّا في سنوات سابقة نتطرّف من أجل نموذج حديث في الأدب، وفي الفن، وحتى في السياسة، وإذا بأجيال اليوم تتطرّف في الدين، والمذهب، ولا تهتمّ بما كنّا نتطرّف من أجله، وبسببه.
والتطرّف هو أبن بيئته، حاله حال الانحياز، والتسامح، وما إليه. من الصعب أن ترفع شعار التسامح في بيئة متطرفة، كما أنه من الصعب عليك أن تقنع بيئة متسامحة بضرورة التطرّف فيها. والبيئة، تصنع عناصر الوجود، وبضمنها بالطبع الأخلاق، والقيم المجتمعية. ما هو متطرّف ينسجم وقيما مجتمعية وأخلاقية تدعوه لتكريس تطرّفه، بل والتبشير به بوصفه ضرورة. نعم، يصبح التطرّف ضرورة في مجتمعات تعتقد أن التطرّف هو الحلّ الوحيد لحل مشاكلها.
ولد التطرف الديني في بلادنا في بيئات فقيرة، ومسحوقة، ومنتهكة، وتعيش في ظلّ ظروف مجتمعية متخلّفة، فساد التفكك الأسري بينها، وتفكّكت، بالنتيجة أخلاقهم. هذه البيئات شهدت أكبر الهجرات في التاريخ الحديث لأبنائها. ركبوا القوارب غير الأمينة، وقصدوا بلاد "العالم الحرّ" هرباً من بيئاتهم التي سحقتهم. مئات الآلاف من أبناء هذه البيئات يحاولون العبور، منذ أكثر من عشرين سنة، إلى مستقبل يفارق واقعهم التعيس الذي وجدوا أنفسهم فيه. يكتب الروائي المعروف الطاهر بن جلون، في مجموعة من المؤلفات منها: "البؤس العاطفي والجنسي للعمال الشمال - أفريقيين في فرنسا"، و"أقصى درجات الوحدة"، أو "العزلة"، وهو نصّ بين المقال والريبورتاج، عن حشود من المهاجرين المغاربة الذين يصلون أوربا، وما يعانون من تراكمات نفسية سببها البيئات التي جاؤوا منها، وهي أزمات تخلق للمهاجرين، بشكل عام، ما عاد يعرف بـ"أزمة الهوية". هؤلاء، الذين يتحدث عنهم بن جلون، هم مجرد عيّنة عن البيئات التي تنتج التطرّف، بالرغم من وصولهم إلى "العالم الحرّ"، الذي كانوا يأملون الوصول إليه، ومع ذلك، ظلّت تراكماتهم النفسية تؤجّج فيهم روح التطرّف. ولقد كشفت أحداث سبتمبر وتفجير البرجين عن مجموعة من المتطرّفين الذين ولدوا، أو ترعرعوا في بيئات هي غير البيئات التي نتهمها بانتاج التطرف الديني.
وفي الشرق الأوسط يكثر الحديث عمّا يسمى: العشوائيات، وبيوت الصفيح، وما شابه من "مدن" مرتجلة، بوصفها الحاضنات الأساسية لنموّ التطرّف. هذه العشوائيات، وباتفاق المراقبين، عدّت البيئة الأكثر ملائمة للمتطرّفين، وذلك بسبب الظروف التي يعيشها أبناء تلك المناطق. وهي ظروف متخلّفة بالمجمل، سببها سياسات حكومية متراكمة على مدى عقود فأنتجت المزيد من الذين يبحثون عن فرصة للانتقام، وتهديد المجتمع المدني، الذي يعدّونه السبب الأساس لتهديم حياتهم، والبؤس الذي يعيشون فيه.
ثم حصل هؤلاء، بسبب فقرهم الروحي، على فرصة مناسبة قدّمها لهم رجال الدين، أولئك الذين عادة ما يستثمرون في المناطق المعدمة، وعادة ما يجدون أتباعاً ملائمين لهم. يذهب رجال الدين إلى أفقر المناطق، وأكثرها بؤساً، ويقومون بملء الفراغ الروحي الذي يعاني منه الناس، ويقوم بعضهم بتوزيع معونات رمزية مادية لهؤلاء المحتاجين، فتكون ردة فعل هؤلاء المزيد من الولاء لمن يستذكرهم في محنتهم، ويستثمر فيها. شيئاً فشيئاً يتحوّل رجل الدين إلى قدّيس مهمته معالجة الآلام العظيمة التي يعاني منها الناس. قدّيس يحفّ به الجياع، فيرقّونه في المراتب، مرتبة مرتبة، حتى يصل في يوم من الأيام إلى كونه مانح الحياة لهؤلاء. يطلب منهم ما يريد، وينفّذون.
ينمو التطرف، إذن، في البيئات التي يكثر فيها التخلف. ويزدهر سوق الخرافة، والعقائد المشوهة، على حساب الرؤى الإنسانية، فيصبح الآخر، وإن كان من أبناء مذهبك أو دينك أو منطقتك أو بلادك... ألخ، يصبح عدوّاً ينبغي محاربته، والسبب دائماً: الخلاف الفكري بين هذا وذاك.
لقد مرّت قرون طويلة على انبلاج عصر الرسالات، وخلال هذه القرون شهدت الإنسانية دماً مسفوكاً على طول الطريق، وكان أغلب ذاك الدم بسبب التطرف.